فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 523

يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ آل عمران 135/ 136.

ولئن كان الصبر والصلاة قوة للمؤمن وعونا له، فإن الصابرين والمصلين والمزكين بصدق نية وتمام إخلاص أولى الناس بالولاء والمحبة في حالات الرخاء واليسر والضيق والمشقة والمحن، إذ ولاء المؤمن للمؤمن تجسيد حي لما ينبغي أن يكون عليه صف المسلمين تناصرا وتعاونا ومحبة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) .

ولذلك أثبت الله تعالى الولاء على سبيل الحصر والتوكيد للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة بعد الولاء له سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} المائدة 54/ 55، وأوجز بأبلغ عبارة وأوفاها صفات البر المأمور به لدى الصادقين الذين لهم الولاء تبعا لولائهم لله ولرسوله فقال: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} البقرة 177، فصارت هذه الصفاتُ علامةَ الصدق والإخلاص ووشيجةَ التقوى ورابطةَ الإيمان في مجتمع التناصر والمحبة والرضوان.

ولئن افتقد المؤمن أخاه في شدة فلم يجده، ولجأ إليه في ضائقة فلم يعنه، فذلك دليل على أن الصلاة والزكاة لم تفعلا فعلهما في النفوس، والإيمان لم يجد له مستقرا في القلوب، والأخوة ليس لها ثمر في الحياة أو بعد الممات، لأنها مبنية على المنفعة المادية رهبة ورغبة كما ورد في الأثر: (يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ) ، وعندما كتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب ينصحانه وقد ولي الخلافة وذكراه قائلين: ( ... وإنا كنا نحدّث أن أمر هذه الأمة سيرجع إلى آخر زمانها، أن يكون إخوانُ العلانية أعداءَ السريرة ... ) رد عليهما كتابة بقوله: (من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل، سلام عليكما، أما بعد، فإنكما كتبتما إلَيَّ تَذْكُران أنكما عَهِدْتُماني وأمرُ نفسي لي مهم، وأني قد أصبحت وقد وليت أمرَ هذه الأمةِ أحمرِها وأسودِها، يجلس بين يديَّ الشريف والوضيع والعدو والصديق، ولكل حصة من ذلك، وكتبتما فانْظُرْ كيف أنت عند ذلك يا عمر، وأنه لا حول ولا قوة عند ذلك لعمرَ إلا بالله، وكتبتما تُحَذِّراني ما حُذِّرَتْ به الأممُ قبلنا، وقديما كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس، يقربان كلَّ بعيد ويُبْليان كلَّ جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصيرَ الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، كتبتما تَذْكُرَان أنكما كنتما تُحَدّثان أن أمرَ هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوانُ العلانية أعداءَ السريرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت