فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 523

ولَسْتُمْ بأولئك، ليس هذه بزمان ذلك، وإن ذلك زمانٌ تظهر فيه الرغبةُ والرهبة، تكون رغبةُ بعض الناس إلى بعضٍ لصلاح دنياهم، ورهبةُ بعض الناس من بعض، كتبتما به نصيحةً تَعِظَانِي بالله أن أُنْزلَ كتابَكما سوى المنزل الذي نَزَل من قلوبكما، وأنكما كَتَبْتُما به وقد صَدَقْتُما، فلا تَدَعا الكتابَ إلَيَّ، فإنه لا غِنى بي عنكما والسلام عليكما).

إن الصبر قياما بالواجبات وكفا عن المنهيات، والصلاة على نهجها الرَّضِيِّ، والزكاة بمعناها التطهري نفسا ومالا، من التكاليف الكبيرة الشاقة المطلوبة من المؤمن، لذلك كانت القدرة عليها معلقة بشرطين ينبغي توفرهما في القلب، أولهما الخشوع لله تعالى في السر والعلن، ومراقبتُه في الغدوة والروحة، وخشيتُه في الخلوة وبين الناس، وهو معنى قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} ، ولئن كان معنى الخشوع قريبا من الخضوع، فإنه يعني تمام الاطمئنان والسكينة والحياء في القلب والصوت والبصر والبدن بين يدي الله، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون) 1/ 2، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من الأربع، من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع) ، قال أبو الدرداء:"الخشوع هو إخلاص المقال، وإعظام المقام، واليقين التام، وجمع الاهتمام"وقال أيضا: تعوذوا بالله من خشوع النفاق، فقيل: يا أبا الدرداء وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع"وقال حذيفة:"أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة"، لذلك كان من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعًا مضطربا، ويقف بين يدي الله عابثًا لاهيا، بعيدا عن مجالات الولاء الصادق، والصلاة والزكاة الحقيقيتين المقبولتين."

إن الخشوع أول مراتب الإحسان، (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وهو ثمرة الإيمان واليقين، ونتيجة معرفة المرء بربه، وخوفه منه، وتعظيمه ومحبته وإجلاله له، وهو حالة نفسية تعتري المؤمن كلما ذكر الله وتفكر في آلائه وآياته، أو وقف مصليا بين يديه {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ} الحديد 16، {خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم} آل عمران 199.

أما الشرط الثاني فهو ما وصف به الله تعالى الخاشعين بقوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، والظن في هذه الآية ورد بمعنى العلم لأنه في أصله اللغوي من أسماء الأضداد، يطلق على الشك وعلى اليقين بحسب السياق الذي سيق له، وفي هذه الآية مزيد شرح وبيان للخشوع الحق الناشئ عن معرفة الله تعالى، والإيمان باليوم الآخر حشرا وعرضا وحسابا وجزاء، وفي صحيح مسلم أن الله تعالى يسأل العبد يوم القيامة: (أفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي) ، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} البقرة 232، وقال: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت