للكائنات فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} آل عمران 190، فبَيَّنَ أن بالتفكر في عظمته ووحدانيته، وحكمته، وتدبيره، وسلطانه تستنير آياتُ الربوبية، وتسْطَع أنوارُ اليقين، وتضمحلُّ غمراتُ الشك وظُلَمُ الرَّيْبِ، فإذا ما أضاءت في قلب المؤمن مشكاةُ الربوبية كانت الاستجابة منه عبوديةً صادقة مخبتةً لربها قانتةً خاشعة، ذلك أن للربوبية عِزَّتَها المطلقةَ وللعبودية ذِلَّتَها المحرِّرَةَ للنفس من سلطة ما سواه عز وجل، الربوبيةُ عهدُ الله لعباده، والعبودية عهدُ العباد مع الله {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، فإذا استجاب عهدُ العبودية لعهد الربوبية، استشعر المؤمنُ بقلبه ولسانه وجوارحه عزةَ الربوبية وذلةَ العبودية.
إن الله تعالى قد وفى بعهد الربوبية حيث خلق الإنسان وأحياه وأنعم عليه بوجوه النعم وجعله عاقلًا مميزًا، وما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية إلى سبيل الحق، فإذا لم يشتغل المرء بواجب الخدمة والطاعة والعبودية فقد نقض عهده، مع أنه تعالى وفى بعهد ربوبيته.
إن مطلقيةَ الربوبية الإلهية للعالمين في سائر الأزمنة والأمكنة في الدنيا والآخرة، توحيدا وعبادةً وخضوعا وانقيادا، تقتضي مزيدَ الحمد على ما نعلم وما لا نعلم من رعاية الله للعالمين، وعلى حسن تقديره وتسييره وتربيته للمخلوقات {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} القمر 49، ولذلك اقترنت في أم القرآن معالمُ التوحيد الخالص ألوهيةً وربوبيةً في ظل الرحمة المهداة، رحمةِ الإله الواحد والرب الخبير الحكيم، لعباده المخبتين المطيعين.
ولئن كان الحمد مطلقا من لوازم الألوهية إحقاقا، فإن الحمد مقيدا من لوازم الربوبية استحقاقا، والقيوميةِ قدرةً وحسنَ تقدير، ولذلك تبادر الملائكة منافسةً ومسارعةً، أيٌّ منهم يرفعه، كما ورد عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ فَقَالَ: الْحَمْدُ للّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَما قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلاَتَهُ قَالَ: (أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟) فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقَالَ: (أَيُّّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا) فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: (لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) .
وكما أن الحمد مقيدا بربوبيته عز وجل للعالمين يُراد به الإطلاقُ، لأن ربوبيتَه مطلقةٌ، كذلك جميعُ صِيَغِ الحمد لله الواردةِ في الكتاب والسنة تفيد الإطلاقَ، لأن النعم الظاهرة والباطنة التي يُحْمَد عليها الحقُّ جل جلاله خاصةٌ به لا يُنْعِم بها غيرُه، ومن هذا المعنى كان الإطلاق للتعبير المقيد، ألا ترى إلى قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ} سبأ 1، وكيف أن انفرادَه تعالى بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه، مبالغةٌ في الانفراد بالحمد المطلق, له الحمد استحقاقًا لعظمته, وله الحمد وجوبا على نعمته، وهو المنفرد به في الدارين، ففي الدنيا المحمودُ اللَّهُ على إنعامه وهدايته, وفي العقبى المحمود اللَّهُ على عدله ومثوبته.