فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 523

ولذلك عقب على ربوبيته المطلقة في الدنيا والآخرة بقوله {ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ} تذكيرا وتحذيرا وتنبيها وتقريرا، فهو عز وجل مالك يوم الدين والجزاء والعرض والمحاسبة، وملك الأكوان، الواحد الصمد يوم تقر الكائنات له بالملك طوعا وكرها، يوم يحييها بقدرته وحكمته بعد أن يفنيَها فلا يبقى إلا وجهه ذو الجلال والإكرام، يوم تعنو الوجوه للحي القيوم وتخشع الأصوات للرحمن {وعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} طه 111، {وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} طه 108، يوم يَقبِضُ الَّلهُ الأرضَ، ويَطوِي السماوات بيمينِهِ ثم يقول: أنا الملِك، أينَ مُلوكُ الأرضِ؟.

وسواء قرئت {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} من المِلك بكسر الميم أو {ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ} من المُلك بضم الميم، فالقراءتان تلتقيان في معنى واحد، إذ كان معلوما أنه لا ملِك إلا وهو مالك.

وتأويل من قرأ {ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أن الملك لله يومَ الدين خالصا دون جميع خلقه الذين كانوا في الدنيا ملوكا وجبابرة فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الأصاغر الأذلة، وأن له دونهم ودون غيرهم المُلْك والكبرياء والعزّة والسلطان، {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} غافر 16، {قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ} الأنعام 73، {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} طه:114، وكما روي عن أُمِّ سَلَمَةَ أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُهَا: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .

أما تأويل من قرأ {مالكِ يَوْمِ الدّينِ} فما روي عن ابن عباس قال: {مالكِ يَوْمِ الدّينِ} لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم في الدنيا، ثم قال: {لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} النبأ 38.

ولا شك أن من قرأ: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} فقد عرفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأنَّ من قرأ {مالكِ يَوْمِ الدّينِ} فقد عرفه بقدرته وسلطانه وهيمنته على جميع خلقه، والقراءتان كلتاهما صحيح متواتر في السبع.

ولا ريب أن يوم الدين، هو اليوم المشهود المجموع له الناس للعرض والحساب ثوابا وعقابا، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} هود 103، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا} الكهف 48، {هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} يونس:30.

ولئن كان لفظ"الدين"حَمَّالا لمعاني كثيرة فإن أيا من معانيها لا تعارض مع الآية الكريمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت