فالدِّينُ بمعنى الحِساب؛ ومنه قوْلُه تعالَى: {مَلِك يَوْم الدِّين} ، أَي الحِسابُ الصحِيحُ والعَدَدُ المُسْتوي، وبه فسَّرَ بعضهم الحدِيث"الكَيِّس مَنْ دانَ نَفْسَه"أَي حاسَبَها. وقوْلُه تعالَى: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ} الصافات 53 أَي مُحاسَبُون.
والدِّينُ بمعنى القَهْرُ والغَلَبَةُ والاسْتِعلاءُ، وفي يوم القيامة تتجلى لجميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم بَرِّهِمْ وفاجرِهم قاهريةُ الله وغلبتُه واستعلاؤه.
والدِّينُ بمعنى القضاء، وبه فسَّرَ قتادَةُ قوْلَه تعالَى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} يوسف 76، أَي قَضائِهِ.
والدِّيْنُ بمعنى السلطانِ سلطانِ الله المطلق .. والدّيْنُ بمعنى الحُكْمِ حكمِ الله العدل ...
ولأن المقصودَ من الدين هو الوفاءُ بلوازم الربوبية، فإذا أسلم المرءُ وجهَه لله فلم يعبدْ غيرَه ولم يتوقع الخيرَ إلا منه، ولم يشركْ به غيرَه، ولم يَخَفْ إلا من قهره وسطوته، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية، فصَحَّ أن الدين الكامل هو الإسلام. وأن يومَ الدين في الآخرة هو يوم الخضوع الكامل لرب العباد وهو يومُ الوفاء {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} آل عمران 57. وكأني بالخلق يومئذ ما بين مُتَوَثِّبٍ للثواب وواجِفٍ من سوء المآب، وكلا المآلين، شقاءً أو نعيما، وفاءٌ منه تعالى، فالعهدُ نوعان: عهدُ الربوبية منه عز وجل، وعهدُ العبودية من عباده، وهو الوفِيُّ أبدًا والخلْقُ مابين موفٍ بالعهد وخائنٍ.
في هذا القسم من الفاتحة، النصف الذي هو له بقوله تعالى في الحديث القدسي (فنصفها لي) ، وتحت مظلة التحميد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} ، ومرحمة الثناء والتعبيد {الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} ، ومقام التمجيد والوعد والوعيد {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، يتجلى الرب الكريم على عباده بخمسة أسماء كلها رحمة ونعمة، إشارةً منه عز وجل إلى استحقاقه الحمدَ المطلقَ على نعمه وأفضاله ما عُلِم منها وما لم يُعْلَمْ، هذه الأسماء والصفات تعد مرجعَ الأسماء الحسنى والصفات العليا، عليها مدارُها، وعليها مُرْتَكَزُها، ومَرَدُّ نعمِه كلِّها إليها، ومناطُ الحمدِ كلِّه مرتبطٌ بها، وهي: الله، رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين. فهو سبحان المحمود بألوهيته، المحمود بربوبيته، المحمود على رحمته ورحمانيته، المحمود بعدله يوم الدين. وهذه المحامد كلها أساس التوحيد، إثباتا لصفات الكمال، ونفيا للشرك والتشبيه والمثال، وتنزيها عن العيوب والنقائص.
فهو الله، المعبود الذي لا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله، ولذلك تتابعت رسالاته إليهم نعمة منه وفضلا.