وهو رب العالمين، بربوبيته يدبر الكون، يقدر الأرزاق والآجال، هدايته العامة تنال البر والفاجر، يدبر الأمر كله {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} يونس 31.
وهو الرحمن الرحيم، رحمته ترعى عباده وتَسَعُهم، ورحمانيته ترشدهم إلى طريق سعادتهم في الدارين معاشا ومعادا.
وهو ملك يوم الدين، العادلُ في حكمه، اللطيفُ بعباده، الكريمُ في عطائه الشديدُ في عقابه {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} طه 112، {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} الجن 13. {وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} القمر 36، {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ} ق 36.
ولئن كان الشقُّ الأول من فاتحة الكتاب خاصا بالله وحده، ودالا على كمال التوحيد اليقيني، فإن ما تلاه منها بين العبد ومولاه، خاصٌّ بأدق معالم التوحيد الإرادي العملي، وهو العبادةُ والاستعانة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، عبادته لله واستعانته بالله، وبذلك يبقى المرء متفيئا ظلالَ الألوهية والربوبية لا يخرج عنها في حركاته وسكناته، في لهجات لسانه وخفقات جنانه.
ولئن كانت العبادة اسما جامعا لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه، أقوالا وأعمالا ظاهرة وباطنة كالصلاة والزكاة والصوم والنسك والصدق والوفاء والبر وصلة الرحم وإخلاص الدين وشكر النعم والرضا بالقضاء وما في حكم ذلك، فإن الذي يجب أن يُلْتَزَمَ فيها أبدا هو أن لا يُتَوَجَّه بها إلا لله تعالى، وأن يكون مدارُها على جميع التصرفات نوايا ومآلا، وتعلقُها بالقلوب والجوارح لسانا وأعمالا، تشمُل النشاطَ الإنساني كلَّه وتغطي كدحَ الحياة الدنيا كاملا، فيرتفع بها المرءُ في مراقي الإسلام والإيمان والإحسان، قياما من الجسم بوظائف الأحكام، ومن القلب بوظائف الاستسلام، ومن الروح باستشعار المراقبةِ والمشاهدةِ لله العلام. وذاك ما بينه حديثُ جبريل عليه السلام إذ سأل الرسولَ الكريم صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان فكان الجواب الجامع المانع: (الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والإيمان (أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه) ، والإحسان (أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ) ، وهو كذلك ما أجمله قول الحق سبحانه تلميحا وتضمينا: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} آل عمران 191، ذكرُ الله عبادةٌ بالقلب واللسان، والتعبدُ قياما وقعودا وعلى الجنوب قيامٌ للأعضاء بالأركان، والتفكرُ في خلق السماوات والأرض عبادةُ الروح والجنان. وبذلك يكون المرء في كل أحواله