مستغرقا في العبادة، سائحا في رياض الرحمة، ونعيم الهدى، مؤثرا تعبَ السَّعْي لمرضاة ربه على راحة الغفلة والتيه في صحارى الضلال، مقتديا بالسيد المطاع رسول المرحمة وقد روى عن حال عبادته ابن عمر رضي الله عنه قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي، فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا، ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة: {إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وفي رواية: ويل لمن لاكَها بين فكيه ولم يتأمل فيها.
إن أكمل أحوال المرء هو حال اشتغاله بعبادة ربه، عبادةً يستنير بها قلبه، وتزكو بها نفسه، ويرطب بالذكر فيها لسانه، وتنفتح له بها طريق سعادة الدارين، ويتقوى بها على تحمل مشاق الحياة ومتاعبها، ولذلك قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا) ، وخاطب رب العزة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وقد ضاق صدره بمكر الجاهلين فقال: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الحجر 97 - 98، فأمره بالتسبيح والتحميد والصلاة لينصرف عن أذى الخلق إلى لطف الخالق، وعن ضائقة القلب إلى فسحة الانشراح والطمانينة والسكينة وحسن الظن بنصر الله.
وإن أشرف مراتب العبودية ما كان طوعا ورضا وعلى صواب في النية والعمل، حينئذ تلتقي الربوبية الحقة بالعبودية النيرة، والتوفية بالعهد من العبد بالوفاء بالوعد من المعبود، فتثمر شجرةُ الإيمان سعادةَ الدارين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُزْهِدُ الْمُجْهِدُ ثَلَاثًا الْمُزْهِدُ فِي الْعَيْشِ الْمُجْهِدُ فِي الْعِبَادَةِ) وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} البقرة 40، {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 72، {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 111.