فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 523

وإن العبادة أشرف خدمة، وإن أشرف الخدمة عملٌ لله، والعامل مع الله عز وجل إنما عمله أداء الفرائض، واجتناب المحارم وطاعته فيما أمر به ونهى عنه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الحج 77 - 78 {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 25. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام 162.

إلا أن للعبادة آفةً تغتالها، ومرضا يستأصلها، وعيبا يَشينُها فتذهب ريحها، وليس ذلك إلا من غرور يصيب بعضَ العُبَّاد، واغترارٍ ينال بعضَ المتعبدين، واستعلاءٍ بالنفس يختِل الإيمانَ من القلوب، فتصبح قاعا صفصفا وبلقعا قفرا، وهو ما شرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة عن أنس قال: (ذكروا رجلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا قوته في الجهاد واجتهاده في العبادة فإذا هم بالرجل مقبلا، قالوا: هذا الذي كنا نذكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إني لأرى في وجهه سنعة] [1] [من الشيطان، ثم أقبل فسلم عليهم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل حدثت نفسك؟ وفي رواية أبي سعيد: هل حدثتك نفسك أنه ليس في القوم أحد خير منك؟ قال: نعم .. ) .

إن سنعة الشيطان المشار إليها في الحديث الشريف ليست إلا سمة من سمات الغرور الذي هو في حقيقة الأمر شرك خفي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ. فَقَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدجالِ؟، قَالَ، قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ.

وإن أنجعَ علاج ووقاية من آفة الغرور أن يستشعر المرء الفقرَ إلى الله تعالى، والضعف بين يديه والخضوعَ له، والخروجَ من الحول والقوة إلا به، والحاجةَ في جميع أمره إليه، ولذلك كان من رحمة الله ولطفه بأوليائه أن أرشدهم إلى بلسم

(1) - سَنَع: طال، الأَسْنَع: الطويل، الرجُل الأَسْنَعُ والسَنِيعٌ الطويل، والخَشِبُ الطويل الجافِي العارِي العِظَام مع شِدَّةٍ وصَلابة وغِلَظ، والسِّنْع، بالكسر: الرُّسغ، أو الحَزُّ الذي في مَفْصِل الكَف والذراعِ، أو السُّلامَى يَصِلُ ما بين الأصابعِ والرسْغ في جَوْفِ الكَف، سنعة الشيطان: تطاول شيطاني، أثر من تغرير الشيطان به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت