فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 523

الوقاية والشفاء، بلسم الاستعانة به والتوكل عليه، بأن يشفعوا عبادتهم امتثالا للأوامر والنواهي بدعاء متمِّمٍ للنعم هو {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} .

ولئن كان هذا الدعاء وقايةً من الآفات التي تشين العبادة، وحمايةً من الغرور والاعتداد بالنفس، فإنه أيضا سلاحٌ للمؤمن في مواجهة متاعب الحياة المادية ما تعلق منها بالدنيا أو ما تعلق منها بأمر الآخرة، فعن أنس رضي الله عنه قال: (كنا مع النبيِّ في غزوة، فلقِيَ العدوَّ، فسمعته يقول:(يا مالِك يَوْمِ الدِّينِ، إياكَ نَعْبُدُ وإيَّاك نَسْتَعِينُ) ، فلقد رأيت الرجالَ تُصْرَعُ تضربها الملائكةُ من بين أيديها ومن خلفها).

ولئن اشتغل أرباب الأهواء بأوساخ شهواتهم وملذات أنفسهم، فإن أربابَ التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللّجْأِ والسؤال، وفي الأثَر أن قتيبةَ بنَ مسلم لما صافَّ الترك هالَهُ أمرُهم فقال: أين محمد بن واسع؟ فقيل له هو في أقصى الميمنة جانحٌ على سية قوسه] [1] [يومئ بأصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: تلك الأصبع الفاردة أحبُّ إلَيَّ من مائة ألف سيف شهير، فلما فُتِح عليهم قال له: ما كنت تصنع؟ قال: آخذ لك بمجامع الطرق.

وإن أجلَّ ثمار الإيمان بالقَدَرِ استسلاما لإرادة الله وحكمته، وما يستتبعه من حقائق الإيمان، دوامُ الافتقارِ إلى الله واستمداد العون منه، والتوكل عليه، وانتظار الفرج منه وحده، وهو ما يرشد إليه قوله تعالى: {اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف 128، وما نصح به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ابن عباس بقوله: (يَا غُلَامُ إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ وَإِذَا سَأَلْتَ فَلْتَسْأَل اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .

ولعل من أجل معاني {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أن عبادةَ الله نفسها استعانةٌ، والاستعانة بالله عبادة، والمرء في كل أحواله عابدٌ ومستعينٌ، ألَمْ تَرَ أن الدعاءَ استغاثةٌ واستعانةٌ وهو في نفس الوقت عبادةٌ لقوله صلى الله عليه وسلم (الدعاء هو العبادة) ، وأن الصبرَ عبادةٌ لقوله تعالى {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} آل عمران 17، والصلاة عبادة لقوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} النساء 103، وقوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} العنكبوت 45، وكلاهما في نفس الوقت استعانةٌ لقوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى

(1) - سية القوس رأسها أو ما اعوج من رأسها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت