الْخَاشِعِينَ البقرة 45، ولذلك قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَب إِلَىَّ مِما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذِى يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِى يَبْطشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التِى يَمْشِى بِهَا، وَإِنْ سَألَنِى لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَىْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) ، فإذا حقق المرء بالفرائض والنوافل أمنيته في القرب من ربه عبادة، أثمر ذلك من فضل ربه عونا وقوة وعطاء واستعاذة.
إن الإنسان في صراع دائم مع نفسه ومع الشيطان الذي يجري منه مجرى الدم، ومع مغريات الهوى ومضلات وساوس الجِنَّة والناس، والذنوبُ من لوازم النفس البشرية، وحاجةُ المرء إلى الهدى في كل لحظة أشدُّ من حاجته إلى الطعام والشراب، وخيراتُ الدنيا وشرورُها في حقيقة أمرها ابتلاءٌ من الله واختبارٌ {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} الأنبياء 35، وهو مفتقرٌ إلى من يأخذ بيده إلى شاطئ النجاة، وبناصيته إلى سلامة التصرف في شؤون دنياه، وحسن العاقبة في أمور آخرته، ولا يملك ذلك إلا ربُّ العزة عز وجل، لذلك كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه وأرجاه هو دعاء الفاتحة بعد توحيد الربوبية عبادة واستعانة بقوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .
وقد قيَّد ربُّ العزة الهدايةَ المرجوةَ لعباده بالصراط المستقيم، ومَيَّز أهلَ هذا الصراط عن غيرهم فصار الناس تبعا لهذا التمييز على ثلاثة أصناف، صنف الذين أنعم الله عليهم ممن عرفوا الطريق واتبعوه، وصنف المغضوب عليهم ممن عرفوه وأعرضوا عنه، وصنف الذين ضلوا عنه وغابت عنهم معالمه.
والسعيد من سأل ربه هداية التوفيق والتسديد والرشد، والقلب اليقظ والسمع الواعي والبصيرة النيرة، والتمييز الذي يصون المرءَ عن سفه السفهاء وطيش الأغبياء، ويقيه تمردَ المغضوب عليهم وجهلَ الضالين، ويرفع همته للمعالي ويقوي عزيمته على التعلق بما عند ربه.
ذلك أن الهداية في المفهوم القرآني ثلاث مراتب:
أولاها الهداية العامة المشتركة بين جميع الخلق، وهي المقصودة بقوله تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} طه 50، أي هداه إلى ما خلق له، وهي تعم الإنسان والحيوان بإرشاده إلى الكسب والتناسل والمشاعر