فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 523

فكان هذا القسم بحق تكملة وتوضيحا وتنزيلا لما سبقه من قواعد وأحكام في حياة واقعية راقية متحضرة تكفل سعادة الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وكانت سورة البقرة به ترجمانا لكليات العقيدة والشريعة، كما كانت سورة الفاتحة قبلها إيجازا محكما لأساسيات الدين كله، وبراعة استهلال للقرآن وعنوانا للذكر الحكيم، وكان ما بعدهما من سور القرآن الكريم الأخرى، ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا وتفصيلا وتوسعا وشرحا.

والميزة الثانية لهذا القسم هي اشتماله علي سيدة آي القرآن الكريم، آية الكرسي وفيها اسم الله الأعظم، وقد فصلت بأروع بيان معالم الإيمان والإحسان، حوت أمهات العقيدة، وجمعت أصول الأسماء والصفات، صفات لله تعالى وحدانية وحياة وقيومية وعلوا وعظمة، وإبداعا من العدم على غير مثال سبق، ومالكية للكون ما وجد وما يوجد، وعلما شاملا بالأشياء كلها جَليِّها وخَفِيِّها، كُليِّها وجُزْئيِّها، ما خلق وما يخلق، واستفرادا بالشفاعة إلا بإذنه، وولايةً لعباده المؤمنين يخرجهم بها من الظلمات إلى النور برحمته، لا يشقُّ عليه عز وجل شاقٌّ، ولا يشْغَله شأن عن شأن، مُتَعَالٍ عن تناول الأوهام، عظيمٌ لا تحيط به الأفهام، ولذلك قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) ، وقال: (من قرأ آية الكرسى في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى) ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) ، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟) قَالَ قُلْتُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ، قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن، في سورة البقرة، وآل عمران، وطه) فالتمستها فوجدت في سورة البقرة آية الكرسي {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} ، وفي سورة آل عمران {الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} ، وفي سورة طه {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم} .

أما الميزة الثالثة فشهادة الله تعالى للأمة الإسلامية بالطاعة والإيمان والإحسان، وثناؤه عليها بقوله عز وجل: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} البقرة 285، هذه الآية هي شهادة التكريم والتزكية، وإشارة الرضا والقبول، ومَعْلَمُ الفوزِ والنُّجْحِ والوصول، شهادة تزكية وتبرئة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} الفتح 28، {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الأنعام 19. فهنيئا لهذه الأمة المرحومة بشهادة ربها لها ورضاه عن صفاء إيمانها وسلامة قلبها وصدق إنابتها، شهادة يعتز بها كل مسلم ويتمسك بها كل مؤمن، قول الحق منه تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} النساء 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت