عن الواجب عواقب القيام به، اقتحمت عليه المحن أبوابا أخرى لا حصر لها، أهلا وولدا وصحة ومالا وعرضا، لذلك على المؤمن ألا يفر من القيام بحق الله وقد كلف به، حرصا على حق نفسه وقد ضمنه له ربه، لأن من آثر حق الله واشتغل به كفاه الله أمْرَ الفتن فثبته عندها، وأمْرَ نفسه فأصلحه خير إصلاح ورعاه خير رعاية، ومن كان لله كان الله له، وقد روى عمر رضي الله عنه (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقول: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) ، ومِنْ خَيْرِ ذكرِ الله أن يقوم المرء بواجبه أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وجهادا لنصرة الدين وأهله. لذلك عندما قال تعالى: {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} البقرة 213، عقب باستبعاد ما قد تميل إليه النفس من طمع في الجنة على ركون إلى الدعة والراحة واكتفاء بالعبادة الفردية وانعزال عن مجتمع المجاهدة وصراع الحق مع الباطل فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم} .
إن طريق الهداية محفوف بالمكاره، كما قال صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) ، ولابد لمن عزم على نصرة الحق والدعوة إليه من توطين نفسه على احتمال شدائد المحنة ومقارعة فتن الاختبار، كل أجيال الإيمان عبر التاريخ الإنساني في الأرض مَرَّت بهذا الطريق وتجرعت مرارته، منهم من صبر وفاز ومنهم من ارتكس وانتكس، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وما مثل سحرة فرعون بخفيٍّ وقد آمنوا وتحدوا جبروت الطاغية فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وصلبهم في جذوع النخل إذ قالوا له: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} طه 72/ 73، وما مثل أصحاب الأخدود ببعيد وقد حُرِّقوا نساء ورجالا وأطفالا {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} البروج 8، وفي الحديث الصحيح عن خباب قال: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فشكونا إليه فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ فجلس محمرا وجهه فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون) .