الفساد الجاهلي من جديد، ربا فرديا ومصرفيا وشركات تجارية ربوية، فمحقت بركة الحرث والنسل، وخضعت الأمة للأجنبي، وانهار الاقتصاد الوطني وأصبح ذيلا لمراكز القرار الربوي العالمي.
لقد كان الربا مظهرا من مظاهر النشاط الفردي الاستغلالي في مبدأ أمره، حرمته الديانة اليهودية والنصرانية والإسلام، إلا أن اليهود لما جبلوا عليه من الحب للمال والأنانية الضيقة العمياء، حرفوا نصوص التوراة واحتفظوا بالتحريم في علاقاتهم ببعضهم، وأباحوا لأنفسهم الربا مع غير اليهود.
كما تعامل عرب الجاهلية بالربا لاختلاطهم باليهود وأخذهم عنهم، إلا أنهم كانوا يزدرون مكاسبها والعاملين بها، من ذلك أن أحدهم قال لقريش وهم يجمعون المال لإعادة بناء الكعبة:"يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس"، ثم لما جاء الإسلام حرم الربا ومحا أثره وأزال رجسه.
وفي أروبا المسيحية بدأ التمرد على تحريم الربا، بإباحة استثمار أموال القاصرين في نهاية القرن السادس عشر الميلادي، وتبعته ممارسات ربوية فردية أخرى ضئيلة، إلى أن انتصرت الثورة الفرنسية وكان لليهود اليد الطولى في تحريكها، فأسسوا المصارف الربوية، وأعلنت الجمعية العمومية الفرنسية بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1789 م قرارها بإباحة المعاملات الربوية في حدود القانون. ثم عند بداية الثورة الصناعية بادرت المؤسسات الربوية اليهودية إلى إقراض أصحابها بالربا، فأمسكوا بناصية التطور الصناعي العالمي.
وفي عصرنا هذا عرف ما سمي النظام الاقتصادي العالمي الجديد، الذي أمسكت بخناقه أسواق المال والشركات الربوية العابرة للقارات فتمكنت من الهيمنة على القرار الاقتصادي والسياسي في دول العالم الثالث بعامة، والدول الإسلامية بخاصة، وأصبح الربا سيد الموقف في كل بيت، وأساس التمول في كل معاملة.
ولئن ظهرت في بعض بلاد المسلمين محاولات خجولة للتخلص من هيمنة أخطبوط الربا الذي تمثله في بلادنا المصارف الربوية المحلية والشركات الربوية العابرة للقارات، بتأسيس ما سمي"المصارف الإسلامية"فإنما ذلك مجرد محاولة للتأقلم مع النظام الربوي العالمي المتغلب وتحت سلطانه. ولا يمكن أن يقوم النظام الاقتصادي غير الربوي كما قرره الإسلام إلا بقيام الدولة الإسلامية القوية التي تملك قرارها وتفرض احترامها بقوة نظمها ورسوخ مناهجها وقوة حجتها وتحررها التام من النفوذ الأجنبي والخضوع لهيمنة الأقوياء.