فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 523

ولعل من دقائق الرحمة الإلهية، في هذا الخطاب، ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعلقمة أنهم قالوا: (كل شيء نزل فيه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فهو مكي، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فهو مدني) ، فكانت بذلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} في مكة خطابا للمشركين من قريش، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} خطابا للمؤمنين في المدينة، ولكن {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} جاءت في أول سورة البقرة وهي مدنية، خطابا للجميع مؤمنين وكفارا، وهو عين العدل والإحسان منه تعالى للمؤمنين المطيعين، والكفار المتنطعين، كما جاءت في سور مدنية أخرى قريبا من نفس السياق وبإضافات تنبسط بها المعانى وتتضح، كما في قوله تعالى في سورتي النساء والحجرات وهما مدنيتان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء 1، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات 13.

ولقد ورد الخطاب للناس جميعا مرة أخرى في سورة البقرة نفسها، تعقيبا منه تعالى على تذكيره العباد بآيات خلقه السماواتِ والأرضَ والليلَ والنهارَ والفلكَ التي تجري في البحر وما أنزل من السماء من ماء، وتصريف الرياح والسحاب، وكشفِه لتنازع الأتباع والمتبوعين والأنداد يوم القيامة إذ يتبرؤون من بعضهم، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} البقرة 168/ 169، وهي آيات تضيف بسطا ضروريا وحركية حية، وبعدا جديدا لعواقب اتخاذ الأنداد، واتباع المخاليق بالباطل.

هذا الحشر لجميع المكلفين مؤمنين وغيرهم في خطاب واحد بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، على ما فيه من تلطف وإعذار، يذكر بموقف لهم جميعا على صعيد واحد سبق منه التحذير والإنذار، إنه يوم القيامة، يوم العرض والحساب، قبل أن يفرز السعداء من الأشقياء وأهل الجنة من أهل النار {يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} غافر 16، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} الكهف 48/ 49.

ولئن كانت هذه الآية الكريمة أولَ نداء رحماني في الترتيب المصحفي للقرآن، بمثابة عروة وثقى تلقى للإنسان فيستمسك بها السعداء وتكون حجة على الأشقياء، فإن مضمونها يشمل التصور الإسلامي متكاملا بجميع كلياته وجزئياته. لأن الأمر فيها ورد بعبادة رب العباد، تأسيا برسوله العبد الصادق صلى الله عليه وسلم واتباعا له، وهي إشارة واضحة إلى مفهوم الألوهية والربوبية والنبوة الخاتمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت