وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام 99.
وإذا كانت هذه صفات ربكم، وكان هذا فضله عليكم، وكان وجودكم ومعاشكم ومبتدأكم ومنتهاكم منه وإليه سبحانه فهو إن عقلتم ورشدتم الذي يستحق العبادة وحده لاشريك له.
ولئن كانت العبادة والعبودية لله تعالى بمعنى إخلاص التوجه إليه بالطاعة والنوايا والأعمال، وقال عنها ابن عباس: (العبادة هي التوحيد) ، أي توحيد الله ألوهية وربوبية وصفات، فإنها من حيث الأصل اللغوي من فعل"عبد يعبُد عبودة وعبادة"أي أطاع بخضوع وتذلل، ومنه التعبيد أي التذليل فيقال: طريق مُعبَّد إذا كان مذللا مستويا.
قال الأصبهاني في"مفردات القرآن": (العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى) ، وقال ابن تيمية: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) .
إلا أن العبادة التي تكون وقاية من غضب الله وعقابه، العبادة التي أشار إليها قوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون} أي تحترزون بها من سوء المصير لا بد أن تكون مشروعة بالكتاب والسنة لقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وأن تكون منضبطة بما قدره الشرع كمية وكيفية وزمانا ومكانا، وبما ينبغي أن تكون عليه من إخلاص التوجه بها إليه تعالى وإفراده بها دعاء وخوفا ورجاء ومحبة وتوكلا ورغبة ورهبة وصلاة وصوما وغير ذلك، وهو معنى قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} الإسراء 23.
إن العبادة إذا توفرت فيها هذه الشروط كانت انقيادا تاما لله تعالى، يقينا في القلب وإقرارا باللسان وعملا بالجوارح، أمرا ونهيا وفعلا وتركا، وكانت حياة المرء بها في حال نومه ويقظته وصحته وسقمه عبادة.
إن تصرفات المرء في الحياة الدنيا بين أربعة أوصاف:
واجب ينبغي القيام به.
وحرام يتحتم اجتنابه.
ومشتبه يُتَّقَى.
ومباح إن شئت أتيت، وإن شئت تركت.
إلا أن ثمرة هذه التصرفات - إن لم تكن الفوز برضاه عز وجل - ليست إلا سرابا يحسبه الظمآن ماء.