فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 261

وبالمقابل، فإن مركز دمشق كمركز للقومية العربية في الأعوام السابقة للحرب العالمية الأولى والتالية لها جعل من مقتضيات خلق هوية قومية عربية جديدة نبذ الدور التابع الذي لعبته سورية ضمن النظام التركي / العثماني القديم. ونتيجة لذلك ساهمت الهويتان القوميتان الرسميتان الجديدتان داخل تركيا وسورية في إيجاد ثقافة أمنية خاصة بكل منهما، وكذلك تصوراتها الذاتية الجديدة عن التهديدات (2) . وقد سعت كل دولة، من منطلق نفسي واجتماعي، إلى إعادة تعريف هويتها الجديدة مقابل الدولة الأخرى بصورة متميزة؛ مما أدى إلى صدام ضمني سرعان ما تحول بسهولة إلى نبوءة ذاتية التحقق. ولعل هذا أهم عامل منفرد نشأت عنه العلاقات التركية - السورية خلال الجزء الأكبر من القرن الماضي، وما البث التوتر النفسي أن تعزز بمزيد من الأعمال العدائية على كلا الجانبين، محفوز بالحرب الباردة.

يسلم أحمد داود أوغلو بالوجود التاريخي لتوترات كبرى بين تركيا وسورية، غير أنه يعتبر استمرار وجودها بمعنى من المعاني مصطنعة، وهي نتاج عقود من الجمود الدبلوماسي والخمول والإهمال اللامبالي، وبالتالي استمرت التوترات على نفس المنوال من الجمود والإهمال، وكأنها عصية على العلاج. وهو يرى في ذلك ترفة باهظ التكلفة لكلتا الدولتين اللتين تشتركان في حدود طويلة جدا. وقد فتحتا بإطالتها أمد هذه الأجواء السلبية وهذا الجمود مجالا لدول أخرى، مثل اليونان وإسرائيل، لاستغلال هذه التوترات بصورة متكررة لتحقيق مآربها. ويشير داود أوغلو إلى فرص کبري تنتظرهما للتنمية النشيطة المتبادلة، ولاسيما في مجالات المياه والزراعة والتجارة والاتصالات. كما يعتقد أيضا أن على أنقرة تكريس مزيد من الاهتمام للقضية العربية - الإسرائيلية التي تعد ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى دمشق؛ لأنها تؤثر في الرؤية والدور الممكن لتركيا في الشرق الأوسط الجديد. (3)

مهما يكن التراث المتعلق بالسبل المتبعة في كلتا الدولتين بعد الاستقلال، فإن وجود استعداد جديد لديها لتسوية الخلافات قد أدى إلى الحد من الخلافات الطويلة الأمد بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت