الفصل الحادي عشر
تركيا وإيران
تعايش حذر
يعد التبادل الثقافي بين الأتراك والفرس من أقدم التبادلات الثقافية لتركيا وأكثرها تشابكة. فقد كانت إيران على مدى أكثر من ألفي عام المنافس الجيوسياسي لأي مجموعة حكمت الأناضول، بما في ذلك البيزنطينيون. وبرغم أن التوترات الجيوسياسية بين إيران والأناضول التركية كانت موجودة حتى عندما كانت إيران لاتزال دولة سنية، فإن إيران لم تصبح المنافس العقائدي والأيديولوجي الرئيسي للدولة العثمانية إلا بعد التحول الديني المذهل واعتناق المذهب الشيعي دين للدولة عام 1500. وابتداء من القرن السادس عشر أصبحت هذه العلاقة بين إيران الشيعية والإمبراطورية العثمانية السنية تشكل حرب باردة اشتملت على كثير من تبادل الهجات الأيديولوجية، وصراع طويل الأمد على الأراضي في الأناضول وبلاد الرافدين. >
بحلول القرن السابع عشر وصلت الحروب الطاحنة من أجل الأراضي بين هاتين الدولتين المتحاربتين إلى نهايتها، حيث تضاءلت إلى شكوك ومناوشات بين حين وآخر. ورغم تکرار حالات التوتر الثقافي والأيديولوجي والارتياب المتبادل، فإن الخلافات بينها لم تعد تترجم إلى صراع حقيقي على الأراضي. واتصفت العلاقات بين الدولتين بتعايش طويل وحذر، وإن كان شائك أحيانا، واحترام متبادل مبني على المجاملة. لذلك نعم البلدان بسلام فعلي دام عدة مئات من السنين، لم تتخلله نزاعات حدودية باستثناء مناوشات قليلة، حتى إنهما لم يعقدا تحالفات مع معسكرين أيديولوجيين متناقضين، کيا كان حال العرب والأتراك في أثناء الحرب الباردة. (1)