وبدوره يؤمن داود أوغلو بالأهمية الحيوية لوجود دور تركي متماسك في العالم العربي. ولكنه لا يحجم عن الاعتراف بمشكلتين تعوقان التقدم: الأولى، فقدان معظم الأنظمة العربية للشرعية، وينبغي على تركيا أن تعمل بصبر على تشجيع الإصلاح والتغيير. والثانية، التناقضات الشاملة للقومية العربية؛ أي أنه بالرغم من وجود تطلع عام لدى العرب إلى مزيد من التوحد، فقد تم استغلال ذلك من قبل أنظمة استبدادية عربية كأداة تستخدم ضد الآخرين، وهذه مشكلة يشير إليها داود أوغلو بأنها «توحيدعربي مفروض» ، وما فاقم ذلك الطبيعة الاستعمارية الاستبدادية للحدود القائمة. (6)
ينتقد داود أوغلو إخفاق تركيا في الماضي في ممارسة خياراتها العالمية المستقلة، واتجاهها السابق للانجراف إلى ما يراه تحالفات أمنية غير مثمرة أحيانا ومقيدة لدورها، وخاصة مع الولايات المتحدة. وفي رأيه أن هذا الوضع قد حد من خيارات أنقرة الاستراتيجية وأضر بصورتها كقوة مستقلة على نطاق واسع. وهو يؤكد أن هذه السياسات ساعدت في التسعينيات على ظهور محور يوناني -سوري- إيراني ضد تركيا.
وبما أن رؤية داود أوغلو تنحو منحى جريئا بابتعادها عن اتجاه السياسات ذات الصبغة الأمريكية لكي تختط لنفسها مسارة واسعة من السياسات التركية المستقلة تجاه الغرب والشرق الأوسط وروسيا وأفريقيا وآسيا، فإن بعض المراقبين في الولايات المتحدة اتهموه بمعاداة أمريكا. ورغم أنه لا يريد لمركز تركيا في العالم أن يكون محدودة وخاضعا کا كان في الماضي للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن أي تصوير لداود أوغلو كمعاد لأمريكا يعد سذاجة في التفكير. أضف إلى ذلك أنه يتجاهل النطاق الواسع للحجج التي يقدمها والتي تدل على ثقافة رفيعة وبحث واسع، حيث تبرر استعادة تركيا مكانتها التي غابت عنها طويلا في العالم الإسلامي وخارجه.
لقد كان لرؤية داود أوغلو الاستراتيجية بلاشك تأثير رئيسي في السياسة الخارجية
الحالية لحزب العدالة والتنمية، لكن نظرته تجد لها صدى لدى المفكرين من خارج حزب