الصفحة 134 من 234

فالليبرالية، وهي أكثر عقيدة اقتصادية خالصة، تمثل أيضا رؤية قويمة للعالم، استقبلها الكثيرون من المالكين ومجموعات المصالح بوصفها نعمة وخلاصة. لقد صارت الليبرالية - حسب بوغنون - رؤية وعقيدة تخدمان مصالح الأمريكيين وتنقذان المظاهر، الأخلاقية، على الأقل، ما دامت الليبرالية، كمفهوم، تنطوي على ركيزة دينية.

وهو ما كان لاحظه توكفيل لجهة وجوب اعتبار الدين بالنسبة للأمريكيين بمثابة المؤسسة السياسية الأولى. ثم إن جمهور الناس، أولئك الذين لا يفهمون شيئا كثيرة من الألعاب السياسية والاقتصادية، اقتنعوا بفعل الحملات الإعلامية، بعدم وجود أية عقيدة أفضل من هذه العقيدة.

ولقد رأينا منذ الأصل، وقبل أن تصبح أمريكا هي الولايات المتحدة، أنها كانت تزعم شمولية نمطها التنظيمي الخاص. ولم يشع مفگروها - من أساتذة وكئاب وكهنة ورجال دولة - لحظة واحدة إلى إخفاء هدفهم الأخير وهو: فرض نمط حياتهم على بقية العالم، وذلك عبر آليات أخلاقية تكتظ بالتعالي على الآخر، أي آخر، منها في المقام الأول، با يسميه برغنون ب"القدوة". أي من خلال تأدية عروض مثيرة ظهر"الصورة الساطعة لأمة جديدة اختارها الله لغاية وحيدة هي تزويد كل الشعوب بالرسالة الوحيدة ذات المستقبل الصاغ بصورة زاهية. ثم في المقام الثاني بوضع الآخر جبرة في منطقة القبول بالقدر الأمريكي. فثمة يقين لدى"فقهاء الأمركة"بأن إذعان الآخرين عنوة - كائنا ما كان شكل الإكراه - أمر محتوم في مواجهة هذه المانعة أو تلك. فأمريكا تعتقد نفسها وتريدها كلية لا تضاهى. وبهذه الصفة، لا تتصور ذاتها إلا متفوقة على مجمل المناطق التي يتحرك في داخلها أفراد وأمم، وترى إن من واجبها احتواءها. إنها - على ما يزعم فقهاؤها - في العالم، ما دامت العناية الإلهية أمرت بذلك، وما دامت تجد نصاب العام المقبل وفقا للخطط الإلهية. ومن المقدر - تبعا لهذا الزعم - أن تقع على كاهلها مسؤولية إملاء قانونها، القانون الذي شرعته السماء، وفرضته على الأمم والشعوب".

وه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت