خلال السنوات الانتقالية بين نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، أسقطت الولايات المتحدة في يدها صفوة أوراق اللعبة الكونية الرئيسية. لقد صار اتخاذ أي قرار، وتقرير أي حل نهائي، من دون رضاها، ضربا من المستحيل.
فمع نهاية الحرب الباردة أخذ منظرو الاستفراد الأمريكي يصوغون المقدمات العملية لفلسفة السيادة المطلقة. كان كل شيء في المقدمات النظرية جاهزة. العامل الإيديولوجي شکل اساسا ثقافيا ودعائية لهذه الفلسفة. ولنا أن نعرف أن الولايات المتحدة مرت ضمن سيرورة تاريخية ساهمت الإيديولوجيا شيئا فشيئا في تكوينها. فقد قامت هذه الفلسفة - انطلاقا من نواة إيديولوجية ذات محورين:
الأول، الاعتقاد بأن أمريكا مكلفة برسالة. والثاني، اليقين بان أداء هذه الرسالة يستلزم استخدام كل الوسائل بلا تحريم
ومما يميز السياسة الأمريكية منذ مولدها: الثبات في العمل على تذر الديمومة في متابعة الهدف، وكذلك مواصلة الجوهر الإيديولوجي المولد للعمل .. ولا شك في أن هذه السياسة بلغت ذروة تحققها في فجر القرن الثامن عشر، وزادت أيضا في مطلع القرن التاسع عشر، لكن ميشال بوغنون موردان في كتابه"أمريكا التوتاليتارية"الصادر في باريس في العام 1997 م، يذهب إلى"أن الإيديولوجيا الأمريكية لم تتورع عن خلع صفة الأزلية على أمريكا، حيث إن ادعاء الرسالة الإلهية لم يغب يوما عن ناظرها. ثم بورد کلامة المعاون الرئيس السابق بيل كلينتون لشؤون الأمن القومي أنطوني لاك، فيه"إ مصالحنا ومثلنا لا تلزمنا بالتدل وحسب، بل تلزمنا أيضا بالقيادة ( ... ) يضيف:"من واجبنا تطوير الديمقراطية واقتصاد السوق في العالم لأن هذا يحمي مصالحنا وأمننا، ولأن الأمر كذلك يتعلق بانعكاس القيم، حيث هي في آن نيم أمريكية وعالمية". >
وهكذا فإن انتصار الأمريكيين الأبرز - يلق"بوغنون": هو، بكل تأكيد، الحضور الكلي لإيديولوجيتهم.