لذا لم تؤد الحرب الباردة التي شنتها الولايات المتحدة إلى هزيمة العدو الاشتراكي، وربما لم يكن ذلك، قط، هدفها الأول في حقيقة الأمر.
لقد انهار الاتحاد السوفييتي تحت وطأة تناقضاته الداخلية الخاصة. ولم تفعل الحرب الباردة، في الحدود القصوى، أكثر من إفراز بعض شروط العزلة التي ما برحت،
عبر تردد أصدائها في الكتلة السوفييتية نفسها، أن ضاعفت تلك التناقضات القابلة للانفجار. لعل أهم آثار الحرب الباردة هو التعرف على خطوط الهيمنة داخل العالم الإمبريالي.
تلك الخطوط التي دأبت على تسريع عملية تدهور القوى القديمة، ورفع مستوى مبادرة الولايات المتحدة على صعيد تأسيس نظام إمبراطوري. وبحسب عدد من المفكرين الإستراتيجيين فإنه لو لم يكن قد تم الإعداد مسبقا لنمط جديد من المبادرة اليمنية، لما خرجت الولايات المتحدة متصرة في نهاية الحرب الباردة. المسألة إذن، تتعلق ببعد تاريخي للتكوين الأمريكي السيادي. .
فالمشروع الإمبراطوري هو مشروع سلطة متشابكة بشكل المرحلة أو الصيغة الرابعة من التاريخ الدستوري الأمريكي. وعلى ما يبين مايکل هاردت وأنطونيو نيغري في كتابها (إمبراطورية العولمة الجديدة) فإن تحقيق فكرة السيادة والهيمنة الأمريكية اتخذ مسيرة طويلة تطورت عبر مراحل مختلفة من تاريخ الولايات المتحدة الدستوري. فالمعروف أن الدستور الأمريكي، کوثيقة مكتوبة بقي دونها تغيير ذي شأن، (باستثناء بعض التعديلات) غير أن الدستور يجب فهمه، أيضا، بوصفه منظومة مادية من التفاسير والممارسات الحقوقية التي يعتمدها، لا المحلفون والقضاة فحسب، بل والأفراد في المجتمع. وبالفعل فإن هذا التأسيس المادي الاجتماعي قد تغير جذريا منذ تأسيس الجمهورية. ويذهب بعض علماء القانون والتاريخ السياسي إلى تقسيم امريکا دستورية إلى أربع مراحل أو أربعة نظم
-مرحلة أولى، تمتد من إعلان الاستقلال إلى الحرب الأهلية وعملية إعادة البناء.