الصفحة 150 من 234

خلال الحقب الرئيسية الأمريكية التي تلت حقبة كينيدي، لم تغادر جدلية الهيمنة على العالم وحمايته الرسالية الدعاة، العقل الاستراتيجي الحاكم في الولايات المتحدة. كان ثمة استيقاظ دائم لنزعتي الهيمنة والمهمة الرسالية، وإن كانت هذه الأخيرة باقية على الدوام كذريعة أيديولوجية تسوغ لمنطق القوة وتمهد له سبيل الفلاح.

في كتابها الذي نشراه في باريس عام 2003 تحت عنوان: (أمريكا المقبلة: قياصرة البنتاجون الجدد) يبين الباحثان الإستراتيجيان الفرنسيان جيرار شاليان وأرنوبلين الخلفية التاريخية والثقافية التي تحمل الفكر السياسي الأمريكي على الجمع الدائم بين هاتين النزعتين المفارقتين (الهيمنة والرسالية) ، ثم يتساءلان عن السبب الذي يجعل إدارة جورج بوش الثاني تحرص وتقاتل بحزم للحيلولة دون ظهور قوة منافسة لها على وجه الأرض، وعن موضوعية البحث عن الدوافع المحركة لهذه الإدارة في ما ترفعه من شعارات. وللإجابة يؤكدان أن الجذور التاريخية هي وحدها التي يمكن أن تمدنا بالمشهد وخلفيته معة. .

فتاريخ أمريكا منذ توماس جيفرسون وحتي جورج دبليو بوش عرف ظهور توجهين، توزعت بينهما الإدارات، أحدهما مثالي حال، والآخر واقعي ماكيافيللي شرس. ولكي نعبر عن الأمر بلغة فلسفية، نستطيع القول إن أحدهما يعود إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز القائل:"إن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، في حين يعود الآخر إلى كانط الفيلسوف المثالي"الترإنساندانتالي، المتسامي، العالمي، وأيضا إلى جان جاك روسو اللذين تحدثا عن إمكانية"السلام الدائم"و"التعايش السلمي"العالمي، وكانا پريان الإنسان كائن محكومة بالأخلاق والنوايا الطيبة والطبيعة الخيرة على عكس هوبز ومكيافيللي."

ومن هذا المنطلق في أمريكا الواعظ الإنجيلي جيمي كارتر تختلف - سياسيا وموضوعية - عن أمريكا المحافظ اليميني المتطرف رونالد ريغن، تماما كما أن إدارة الداعية الديمقراطي الساعي إلى تحقيق رسالة أمريكا بإشاعة الحرية في العالم - بيل کلينتون -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت