واعظة لها لتغادر السياق الكلاسيكي للسيطرة وتتجه إلى صياغات إستراتيجية جديدة تقوم على حكم إمبراطوري من طراز جديد.
إن الجدل العميق الذي اشتعل داخل حقول الفكر الإستراتيجي الأمريكي بعد حرب فيتنام أذي بحسب زبينغيو بريجنسكي إلى اعتراف متزايد بضرورة إعادة تحديد دور أمريكا العالمي. ذلك أن اندفاع أمريكا في العالم بنموها الخاص وبفعل حربين عالميتين، جعلها تحرك بنشاط في البداية، ثم تضمن استعادة الغرب الاقتصاد، ولامنه العسكري، وهذا الوضع - النابع من الضرورة المتميزة بالهموم العسكرية الثقيلة - أخذ يتحول بشكل متزايد نحو مزيد من التورط في المشاكل الأكثر أساسية وذات الطابع السياسي الأقل، والتي تواجه الإنسانية في الثلث الأخير من القرن العشرين. وعلى رأي بريجنسكي - فإن جون كينيدي هو الذي سيمسك بروح الوضع الأمريكي الجديد في العالم عندما قال عن نفسه إنه أول رئيس أمريكي يعتبر العالم كله من شؤون السياسة المحلية بمعنى أو بآخر،
ومن المؤكد أن كينيدي كان اول رئيس"عالمي"للولايات المتحدة. فروزفلت برغم كل اتجاهاته الدولية كان يؤمن في الأساس باتفاق عالمي يشبه اتفاق 1815 م، حيث"الأربعة الكبار"كان لهم دوائر نفوذ خاصة. أما ترومان فلقد تجاوب قبل كل شيء لتحد شيوعي معين وأظهرت سياساته أنها تعطي أولوية واضحة للمشاكل الإقليمية. واستمر أيزنهاور على نفس الطريق مطبقة بين الحين والآخر سوابق أوروبية على مناطق أخرى. وهذه التحولات كانت معبرة عن تغير دور الولايات المتحدة.
إلا أنه مع كينيدي كان الشعور بأن كل قارة قادرة، وكل شعب له الحق في أن يتوقع القيادة والطموح من أمريكا، وإن أمريكا ملزمة بنفس القدر من الانغماس والتورط في كل قارة وكل شعب. إن أسلوب کينيدي المثير - كما يلاحظ بريجنسكي - أنه ركز على الطابع الإنساني العالمي للمهمة الأمريكية، بينما كان افتانه الرومانسي بفتح الفضاء يعكس قناعته بأن زعامة أمريكا العالمية ضرورية لفعالية دورها العالمين