أمريكا في ما وراء الحدود. وفي هذا المسار سيفتح الباب للولايات المتحدة الأمريكية التحفر مجراها. الجيو - ستراتيجي بوصفها دولة عالمية. لقد أفلحت الولايات المتحدة في أن ترث الإمبرياليات التقليدية، وتؤسس على هذا الإرث آليات جديدة للسيطرة الأمنية والاقتصادية والإعلامية، (اصطلح على هذه الحقبة في أوساط اليسار العالمي ب"حقبة الاستعمار الجديد") . وبقطع النظر عن مدى صحة أو مطابقة هذا الاصطلاح للواقع التاريخي الدولي بسبب من تدخل الإيديولوجيا المكثفة وأثرها في نشوئه، فإنه سياخذ سياقه الفعلي في نظام الصراع اللاحق الذي حكم العالم بما عرف ب"الحرب الباردة".>
لقد كشفت الحرب الباردة حقائق مدوية ما كان لها أن تظهر لولا أن أصبحت الولايات المتحدة وجها لوجه مع العالم. لم تعد أيديولوجيا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والليبرالية الاقتصادية مجرد حجاب مخفي وراءه نزعة الهيمنة. صارت هذه الأخيرة بالياتها ووقائعها وأنساقها وأنظمتها هي الحاكمة والمحددة لعلاقة أمريكا بالعالم، إذ على نزعة الهيمنة ستنشأ المقدمات الفعلية للعالمية الأمريكية. فخلال الحرب الباردة، بل عبر مسيرة القرن العشرين، بات واضحة بصورة متزايدة باطراد، أن الولايات المتحدة شقت طريقها باتجاه العالم تحت شعار إمبراطورية الحرية.
على أن هذا الإغراء بالحرية سيؤدي - ضمن معادلة الحامي للحرية والتسلط على مقادير الثروة العالمية - إلى ظاهرة استعمارية أكثر عمقا واتساعة. بعبارة أخرى، مالبثت حماية البلدان في سائر أرجاء العالم، من الشيوعية، أن أصبحت متعرة التمييز. فكان لا مناص من تحقيق السيطرة بأساليب وتقنيات إمبريالية. لذا عمدت إلى استرجاع الآليات التقليدية للاستعمار البائد. ولعل التجربة الفيتنامية في هذا الإطار هي التجربة الأكثر دلالة وسطوعة على هذا النوع من السيطرة. فلقد كانت الحرب في فيتنام متناغمة مع الإستراتيجية السياسية العالمية القائمة على حماية"العالم الحر"من الشيوعية. غير أن هذه الحرب لم يكن بوسعها أن تكون، عمليا، إلأ استنافة في العمق لأشكال السيطرة الأوروبية التقليدية، وليس من شك في أن الهزيمة التي لحقت بأمريكا في فيتنام كانت