الصفحة 58 من 234

فعقلية السوق الحرة المطبقة على الجغرافيا السياسية، التي تعني إزالة القيود امام الاقتصاد (دعه يعمل دعه يمر) ، تسمح مباشرة وبشكل آلي بتنظيم السوق وتأمين المصالح الخاصة والجماعية. حيث يعتقد أصحاب هذه المدرسة بأن خلق حالة من الفوضى واللااستقرار سوف يؤدي حتما إلى بناء نظام سياسي جديد يوفر الأمن والازدهار والحرية. إنه العلاج بالصدمة، وهذه الخطة تفترض أن المجتمعات تنتظم بشكل بناء وصحيح بعد الصدمة التي ولدتها الفوضى، وهي لا تأخذ بالاعتبار والحسبان ردات الفعل السلبية.

الغاية التي تحتل المرتبة الأولى في الأهداف الإستراتيجية الأمريكية هي الحفاظ على التفوق الأمريكي، ولذلك هي تسعى بأي ثمن وبأي وسيلة إلى توفير الاستقرار والازدهار والأمن للمجتمع الأمريكي أولا ومن ثم للحلفاء من جهة أخرى، وإغراق الآخرين بالفوضى والتخلف والحروب الأهلية. وهذه المعادلة دعت الولايات المتحدة إلى عدم التقيد بآليات الأمم المتحدة حتي يکون تدخلها الاستباقي مباحة، وأكثر ردعة وسرعة وتطابقة مع مصالحها القومية.

لاحقا وبعد سقوط الشيوعية انتقلت المخابرات الأمريكية إلى الفعل الفوضوي البناء، وجاءت الفرصة بسقوط جدار برلين، فكانت التجربة العملية الأولى للفوضى البناءة الأمريكية في مظاهرات مدينة تيميشوارا الرومانية، التي سرعان ما امتدت إلى العاصمة بوخارست وأسقطت نظام تشاوشيسكو الأقوى في الكتلة الشرقية. ومن هنا نموذجية الفوضى الأمريكية المصطنعة في رومانيا وأهميتها لكونها اتخذت قالبألتفجير الفوضى في البلدان الأخرى. وبمراجعة مظاهرات جورجيا وأوكرانيا وغيرها نجد أن تهديد القوة الأمريكي هو العنصر الحاسم في نجاح هذه المظاهرات التي مثلت شرارة الفوضى البناءة الأمريكية.

إن مفهوم"غزو العقول"الأمريكي المرافق لنظرية الفوضى البناءة يقوم على اساس الرضوخ الداخلي ويلعب ضمن دائرة نقاط الضعف لدى الطرف المستهدف،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت