باعتبارها أوتارة حساسة جدا يشكل العزف عليها سيمفونية أكثر إطرابا من تلك التي تقوم على ضجيج النعال العسكرية الثقيلة وهدير الأباتشي، کا تكمن خطورته في آليته وأهدافه البعيدة المدى. فهو يهدف إلى السيطرة على إرادة الإنسان من خلال إطلاق شعارات خداعة تشكل قيم مطلقة يتوق إليها الإنسان بشكل عام والدول النامية بشكل خاص، كالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، بحيث تستطيع استقطاب الكثيرين إلى صفوفها أي أنه احتلال من الداخل. على سبيل المثال كانت أمريكا تعتقد أن نموذج الثورة السلمية في أوكرانيا سينجح في لبنان بنفس السرعة والفعالية ..
إذن تفرع سيناريو ما سمي أمريكيا"بالفوضى الخلاقة"عن فكرة الاختراق أو الاحتلال من الداخل الذي يفسر إطلاق حرب العقول .. وكما احتاجت الحرب على العراق ذريعة بحجم أحداث 11 سبتمبر 2001 وأسلحة الدمار الشامل، فهذه حرب خشنة لا بد أن تتأتي من ذرائع ناعمة بحجم الدمقرطة ونشر الحريات، وربما أكبر من ذلك بحجم اغتيال شخصية كبيرة كرفيق الحريري مثلا.
لقد ذهب المسؤول السابق في البنتاجون"مايکل ليندي"إلى تسويغ مذهب القوة اللامتناهية، حتى ولو أدى الأمر بالولايات المتحدة إلى أن تقوم كل عشر سنوات باختيار بلد صغير وتدمره، وذلك لغاية وحيدة فقط هي أن تظهر للجميع أنها جادة في أقوالها.
وينطلق ليدين من نظرية أن"الاستقرار مهمة لا تستحق الجهد الأمريكي"ليحدد بالتالي"المهمة التاريخية"الحقيقية لأمريكا فيقول:"التدمير الخلاق هو اسمنا الثاني في الداخل كما في الخارج. فنحن نمزق يوميا الأنماط القديمة في الأعمال والعلوم، كما في الآداب والعمارة والسينما والسياسة والقانون. لقد كره أعداؤنا دائها هذه الطاقة المتدفقة والخلاقة التي طالما هددت تقاليدهم (مهما كانت وأشعرتهم بالخجل لعدم قدرتهم على التقدم .. علينا تدميرهم کي نسير قدمأ بمهمتنا التاريخية".
إنها إذن، إيديولوجيا الحرب من أجل الحرب، ما دامت الهيمنة وشغف السيطرة مكان الميتافيزيقا السياسية لأمريكا مع بداية السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين.