وعلى الرغم من ذلك، فإن الرغبة في استغلال قدرات روسيا النووية الاستراتيجية، التأكيد موقعها من حيث هي"قوة عظمى"، تبدو صادقة صدق ولعها بتسييس صادراتها من ثروات الطاقة بقصد تحويل روسيا إلى"قوة عظمى في مجال الطاقة". ومن هنا، فإن هذه الموضوعات قد ارتبطت فيما بينها ارتباطا وثيقا، ورسمت الملامح الجوهرية ل"عصر"بوتين.
وهذا الكتاب يستهدف تشخيص القضايا الرئيسية التي تقع في دائرة التفاعل الدينامي بين هذه الموضوعات الثلاثة (اللجوء إلى القوة العسكرية، والاستفادة من ثروات الطاقة؛ وإعادة إرساء أسس"العظمة") والخروج بتقويم للتفاعلات القائمة فيما بينها. وهذا الهدف الثلاثي الأبعاد هو الذي يحدد هيكل هذا الكتاب الذي استهله المؤلف بثلاثة تقويات - أو خلفيات - مستقلة تركز كل منها على وضعية القوات المسلحة، وتطوير قطاع الطاقة، وجوهر نيات استعادة"عظمة"روسيا خلال السنوات التي أمضاها بوتين في رئاسة البلاد.
ومن ثم يتم تحليل كل منها من خلال تفحص السبل التي أمكن من خلالها للزيادة الهائلة في مدخولات الدولة التي جلبها لها قطاع الطاقة) تيسير عملية بناء المؤسسة العسكرية والحد منها في الوقت عينه)؛ وطبيعة التأثير الذي أحدثته القوة العسكرية
الفعلية و"الافتراضية"، على حد سواء على مكانة روسيا وسلامتها الإقليمية؛ ونوعية تأثير التحولات التي أحدثتها عملية تطوير صناعات النفط والغاز غير المتجانسة، سواء على حضور روسيا على المستوى الدولي، أو على رؤيتها الذاتية لنفسها.
وليس هناك من أهمية خاصة للترتيب الذي وضع التحليل هذه القضايا واحدة بعد الأخرى. وثمة قضايا ربما ستطفو على السطح من جديد خلال هذه التحليلات، ولعل القارئ سيسهل عليه اکتشاف سطحية الاهتمام بقضايا أخرى، ومن هذه على سبيل المثال العلاقات الروسية - الصينية في ميداني الطاقة والأمن، والتي يعدها بوتين في الوقت الحاضر واحدة من كبريات إنجازاته. والكتاب، على أي حال، يجمع سويا ثار (ونقاط ضعف) عدة مشاريع بحثية أجراها الكاتب في غضون سنوات هذا العقد التي مرت بعجالة.