فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 355

الفصل الثالث

"العظمة"الجديدة: حلم ثبت زيفه

تبني فلاديمير بوتين، منذ بداية رئاسته تحديدا، البراجماتية من حيث هي فلسفة سياسية. ومع أنه ربما كان قد فسرها بأسلوب غير معقد نوعا ما، إلا أنه ما انفك يصر على عقد صلة ما بين الأهداف القابلة للتنفيذ، والوسائل المتاحة لديه. ولعل ميزة أسلوب"التنفيذ من دون اعتراض"، الذي اتسمت به عملية صنع القرار، كانت قد تمثلت في استبعاد أي حاجة إلى أيديولوجية مترابطة منطقية يمكن أن توظف لتوجيه الجهود الرامية

التقوية مكنة الدولة وإثبات أهليتها.

ومع ذلك، فإن ثمة مفهوما كان مايزال عالقة في الأذهان مفاده أن"فكرة قومية"روسية (وهو الذي كان يلتسين قد أخفق في اكتشافه إبان عهده المضطرب) کانت صياغته أمر واجبة، وأن خليطا من شعارات براجماتية مثل"التحديث"و"التنافسية"، بل وحتى"مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي"، لم يكن مقنعا بما يكفي. ومن هنا، جاء كلام بوتين (Putin, 2007 d) ، في آخر خطاب له أمام البرلمان، عن البحث عن"فكر قومي".

ولم يحدث إلا في منتصف ولاية بوتين الرئاسية الثانية أن تركزت حملات العلاقات العامة، والتسويق التجريبي للمفاهيم (بقيادة فلاديسلاف سورکوف، كبير منظري الكرملين) ، على مزيج من مفهومين اثنين:"الديمقراطية السيادية"و"القوة العظمى في ميدان الطاقة". وقد بدا أول هذين المفهومين مبهرة ومتناقضة في عيني ديمتري ميدفيديف، النائب الأول لرئيس الوزراء، الطامح إلى ارتقاء سدة الرئاسة (1) .. وخلافا لذلك، بدا المفهوم الثاني مبسطة وساذجة إلى حد أن العديد من المراقبين والمعلقين اتخذوا منه مادة للسخرية. ولعل الإحساس بالإثم قد ساور سورکوف نفسه وهو"يسوق"هذا المفهوم بأسلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت