الفصل التاسع
النظام والأمن الداخليان في مشروع"الحضارة"
في تلك اللحظة المصيرية التي وجد فيها فلاديمير بوتين نفسه فجأة على رأس السلطة، فإن من بين كل السات المثيرة للقلق، التي تميز بها النظام السياسي للدولة الروسية، والتي بدت وقتئذ السمة الأكثر غرابة بالنسبة إليه شخصية، هي انعدام النظام داخل البلاد. ومن هنا، فإن استعادة قدرة الدولة على الإمساك بزمام السيطرة على مؤسساتها ومكوناتها حالا وبشكل مباشر، وعلى المجتمع الروسي بأسره، كانت هي المهمة التي تقدمت على أي شيء سواها، نظرا إلى أن تحقيق هذه السيطرة كان قد عد شرط مسبقا حتميا لإحياء الزخم المفقود في الكفاح من أجل استرداد"عظمة"روسيا.
وقد تصادف أن تكون الشيشان هي المكان الذي ينبغي أن يبدأ فيه إنجاز هذه المهمة، إذ اعتبرت"نقطة ارتكاز أرخميدس"لأدوات السيطرة والتحكم التي من شأنها تغيير أوضاع البلاد نحو الأفضل. وقد حددت سمة العنف التي طغت على تلك المهمة الكثير من الخصائص الأساسية للنظام السياسي الذي عمل بوتين شيئا فشيئا على إقامته؛ وبالتالي، ومع نهاية فترة رئاسته الأولى، تجلى واضحا اختلاف روسيا عن الغرب، إلى الحد الذي صار ممكنا معه - بل وربما حتى لزاما وصفها بالحضارة"المستقلة. فتم التخلي عن الجهود المستميتة (والخرقاء غالبا) التي بذلها يلتسين إبان عصره لخلق السبل الكفيلة بربط بلاده مجددة بأوربا، وبإثبات انسجامها مع مشروع العولمة الغربي. وكما وصفتها ناتاليا جيفورکيان (2006 Natalya Gevorkyan) ، فإن تسعينيات القرن الماضي «أصبحت الفترة التي صرنا نتعلم الآن كيف نتحدث عنها باشمئزاز وبكراهية لا اعتراض عليها» ."