الفصل الثاني
عائدات النفط والغاز:
أقل مما ينبغي .. أكثر مما ينبغي
لم يحدث إلا في عهد بوتين أن تحولت روسيا إلى"دولة نفطية"حقيقية، ليس من حيث نصيب قطاع الطاقة في ناتجها المحلي الإجمالي أو في تركيبة صادراتها فحسب، ولكن أيضا في سياق رؤيتها الذاتية لنفسها. ولأن روسيا غدت على مدى عقود طويلة - من كبريات الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز الطبيعي، فقد دأبت على تصوير نفسها قوة صناعية متقدمة (ناهيك عن الخطاب الأيديولوجي المكرر) . ولم تتغير هذه الصورة بشكل جلي إلا منتصف العقد الأول من القرن الجديد (أي بعد 120 سنة تقريبا على قيام الأخوين نوبل بتأسيس شرکتها النفطية المساة فيلا بتروليا Villa Petrolea في باكو) عندما شرعت روسيا بالسير على الطريق المؤدية إلى منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) .
وإذا كان هذا التحول وليد عوامل مثل کساد الصناعات التقليدية، وتدهور المستويات العلمية الأساسية، وتأخر امتلاك تقنيات عصر المعلومات وبطئه، فإن العامل الرئيسي منها هو الارتفاع المذهل في أسعار النفط. وفي هذا الشأن، أجمع خبراء قطاع الأعمال والتجارة، والنخب السياسية بأسرها، بل وحتى شريحة المتقاعدين الأكثر قلقة، على الإقرار بالدور الحيوي الذي تلعبه الموارد الهيدروكربونية في ضان رخاء البلاد ورفاهيتها؛ فبات الجميع يرقب، بمزيج من مشاعر الأمل والوجل، التقلبات التي تطرأ على الأسواق العالمية. وبتأثير ذكريات الأزمة المالية لعام 1998، فإن مبعث القلق الأكبر قد تجسد في هبوط الأسعار النفطية بصورة مفاجئة؛ غير أن هذه الزيادة الهائلة في الروبلات النفطية قد تحولت شيئا فشيئا إلى تحد يتهدد سلامة الكيانات والمؤسسات الحكومية.