وكما تبلور في أثناء ولاية بوتين الثانية، فإن نظامه في واقع الحال لا يختلف عما وصفه
مارشال بو (. Marshall Poe 2003,p 87) ب"اللحظة الروسية"، التي نقلت الدولة عبر مرحلة الحداثة، واشتملت على أربعة مكونات؛ هي: «الحكم الفردي، والهيمنة على ميادين النشاطات العامة، واقتصاد السلطة، وفرض نظام العسكرة برعاية من الدولة نفسها» (1) ومع أن أيا من هذه المكونات لم يبرز من جديد بصيغته القديمة، إلا أن الاختلاف في آخرها هو الذي بدا لافتة للنظر تحديدا. وكما يوضح الفصل الرابع، فإن حجم الموارد التي خصصت للقطاع العسكري الصناعي كان مايزال أقل بكثير مما كان يخصص له في عهد الاتحاد السوفيتي، الذي وقع في هاوية الإفلاس قبل انهياره.
وعلى الرغم من أن المصطلحات اللفظية التي صاغها بوتين بدقة تعبيرا عن أسفه حيال هذه"الكارثة"، لم تكن متناغمة تماما مع الطمانات التي أطلقها بشأن تعلمه دروس من الإفراط في استشهار الموارد في قدرات"غير قابلة للاستخدام"؛ فإنه من دون ريب أبدي تحفظاته أيضا على تقوية القوات المسلحة إلى المستوى الذي يمكن أن تتحول عنده إلى أداة سياسية جبارة على الصعيد المحلي، وقد لا تقع بالضرورة تحت سيطرته.
ومنذ منتصف عام 2005، برزت إلى الواجهة السياسية (كما يعرضها الفصل الثالث) النظرية الأيديولوجية القائلة بأن النموذج الروسي"للديمقراطية السيادية"، الذي يتم تطويره ذاتية من دون عون خارجي، يشكل في واقع الحال"حضارة"متميزة؛ وهو ما زاد من عجالة مسألة تحقيق النظام في الداخل على نحو يجعله مقبولا على نطاق واسع داخل المجتمع، وجذابة لدى الدول المجاورة. ويمكن القول يقينا إن السلطة التنفيذية"العمودية"التي أقامها بوتين ربا بدت في نظر كثير من الأوكرانيين أكثر عقلانية من"الفوضى"التي شاعت بعد الثورة في كييف؛ فيما يمكن لكثير من البيلاروسيين عقد مقارنة باتجاه إيجابي ما بين الرخاء والانفتاح النسبيين، اللذين تتمتع بها الطبقة الوسطى الروسية، وبين صرامة حكم لوكاشينكو وقسوته.