وتتيح القراءة الاستراتيجية الثنائية كل أشكال الحرية في التعامل السياسي، حيث لم يمنع العدو الطبقي وسياسة الاتحاد السوفياتي الدولية، من توقيع الاتفاقية الألمانية السوفياتية عام 1939، أو من الاعتراف بالدكتاتوريات العسكرية في أميركا الجنوبية. وقد دعمت الديمقراطيات أخطر الانقلابات وأسوأ الأنظمة على كوكبنا، وأولها النظام السعودي، وهو حتما أكثر إسلامية من إيران الخميني. فالحليف المطيع هو الطيبة مهما كان نظامه، وحليف العدو هو الشريرة، أما التصنيف فيتغير في حال انقلاب التحالف. وهكذا كان سياد باري (Syiad Bare) ، الدكتاتور الصومالي الذي سعى دائما وراء المال، حليقا لواشنطن من وقت لآخر، وفي أوقات أخرى حليفا لموسكو، وفق المصاعب التي يواجهها أو وفق احتياجاته. ولبناء سد أسوان، توجه عبد الناصر أولا للمساعدة الأميركية التي رفضت له؛ لأنه كان يوصف في الأوساط الاستراتيجية به «موسيليني النيل» . وعلى الرغم من أنه حصل على مساعدة موسكو، لكن ذلك لم يردعه عن وضع الشيوعيين المصريين في السجن. وكانت الدبلوماسية الفرنسية في رواندا التي تدعم دكتاتورية هابياريمانا، تهدف إلى تقويض وجود البلدان الناطقة بالإنكليزية، وبالفعل لم يكن بول كاغامي (Paul Kagame) ، وهو ابن لاجئ يعيش في أوغندا، المستعمرة الإنكليزية السابقة، يتكلم الفرنسية. وبحسب المفكرين العسكريين الرسميين في باريس، كان من البداهي أن يتلقي دعما من لندن أو واشنطن، إنها إعادة لفاشودا
وعليه، تمثل أدوات التحليل أساسا للمعايير المستخدمة في الغرب، فقد كان صدام حسين على التوالي هو «الزعيم الحدائي العربي، المدافع عن العلمانية» ، قبل أن يصبح رئيس الجمهورية الدكتاتوري لأحد بلدان «محور الشره، وفي عام 1954 كان المفكرون الأميركيون الذين يؤيدون التدخل يصفون نغو دين دييم (Ngi Dinh Diam) ، رئيس الدولة الكاثوليكي في فيتنام الجنوبية البوذية، بأنه انشرشل (Churchill) جنوب شرق آسيا» ... إلخ، وصورة ارئيس الجمهورية الحداثي، وهو كذلك فقط لأنه مناصر للغرب، تحطمت فجأة مع الإطاحة بين علي وحسني مبارك. والسؤال هنا: كم هو عدد الرؤساء الآخرين الذين يجب الإطاحة بهم؟