الصفحة 28 من 310

بجد الاحتراب جذوره في حوادث الواقع، لكنه كثيرا ما يجدها كذلك في بنى أيديولوجية، وفي تهيؤات أو في أشياء مبهمة. وتضع هذه الدراسة فرضية أن العدو هو عبارة عن عملية بناء؛ فحين توصلنا العلاقة الاستراتيجية إلى الحرب، فإنها تؤلف مسارا جدليا يتضمن فعل الطرف الأول وصورته، وتؤثر في فعل الطرف الثاني وصورته.

وخلافا لما نستطيع قراءته في كتب العلاقات الدولية، فإن الديمقراطية ليست حاملة للسلام بذاتها، وإلا لما قامت الاستعمارات الفرنسية والبريطانية قط، ولما وجد الأميركيون في العراق، ولما استعمر الإسرائيليون الأراضي المحتلة. على العكس من ذلك، فإن الأنظمة الدكتاتورية ليست كلها داعية إلى الحرب. فنظام ميانمار (Myanmar) العسكري أو برتغال «سالازار» (Salazar) هما خير مثال على ذلك. ويسهل كثيرا على الدكتاتورية، ببساطة، أن تكتسب عدوا: سواء أكان داخليا، كما الحال بالنسبة إلى الدكتاتورية العسكرية البيرمانية، أم خارجيا، كما الحال بالنسبة إلى الجنرالات الأرجنتينيين الذين أعادوا إحياء المطلب المتعلق بجزر الفوكلاند البريطانية، أو خلط الاثنين معا، كما الحال بالنسبة إلى النظام الهتلري الذي حدد عدوه، أي اليهود والأعراق البشرية الأدنى، والديمقراطيات وفرنسا والشيوعيين ... إلخ، أو الستالينية التي نددت بالتروتسكيين والبوخارينيين والجواسيس وأعداء الاشتراكية والإمبرياليين ... لكن ما الحال بالنسبة إلى الدول الديمقراطية؟

التتابع التساؤل على النحو الآتي: تتشكل الصورة الدولية وتستمر عند الرأي العام وفقا لأنماط يجب تشريحها: هكذا اكتسبت الهند، وهي قطعيا أعظم ديمقراطية في العالم، لقب «بلد اللاعنف، مع المهاتما غاندي، غير أنها قادت ستة حروب خارجية (أربعا ضد باكستان، وواحدة ضد الصين) ، وتدخلا في سريلانکا، وقادت هجوما عسكريا كعملية شرطة داخلية على معبد أمريتسار الذهبي لتحطيم الحركة القومية للسيخ. يا له إذا من تعريف غريب للاعنف! وعلى النقيض من ذلك، فإن الصين التي تقدم غالبا على أنها بلد مهدد، تبدو وكأنها مشغولة، قبل كل شيء، باستقرارها الداخلي؛ فلم تتدخل منذ عام 1949 إلا في نزاعين خارجيين (كوريا والهند) وقامت بإعادة غزو استعماري (للتيبت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت