الصفحة 30 من 310

لا تتيح الحوادث ذاتها، والصور ذاتها، والذكريات والمعارك والتواريخ ذاتها، الإدراكات ذاتها، وليس لها المعنى ذاته في كل مكان، فحقيقة الديمقراطية التي لدينا مجتزأة، ويشكل تأسيس دولة إسرائيل بالنسبة إلى بهود العالم كله نهاية اضطهاد طويل بلغ ذروته في ال «Shoah» ، أي الإبادة التي ارتكبها الأوروبيون، لكن ليس لها أي معنى في البلدان الإسلامية التي أتنت بشكل واسع، وعلى مدى قرون عدة، الحماية والأمن لليهود الذين طردهم المسيحيون. ويفسر انسحاب السوفيات من أفغانستان أنه انتصار للدول الديمقراطية. لكن بالنسبة إلى الإسلاميين، فإن ذلك يبرهن على تمكنهم من التغلب على اعظم جيش في العالم يحتل أرضا إسلامية، وتسري هذه الملاحظة أيضا على الأوروبيين. يشرح جاك دروز (Jacques Droz) في دراسة مثيرة جدا للاهتمام (2) المصاعب التي يواجهها المؤرخون الفرنسيون والألمان في وضع کتاب تاريخي تعليمي مشترك حين يتعلق الأمر بتحديد أسباب الحرب العالمية الأولى. ويمكننا على هذا النحو أن نزيد الأمثلة لكي نوضح جيدا أهمية المفردات والإدراكات المتبادلة في صنع العدو.

لماذا العدو؟ ما الدور الاجتماعي والسياسي الذي يؤديه في المجتمعات المعاصرة؟ هل يجب على الهوية أن تبني بالضرورة ضد الآخر»؟ يعتبر کارل شميت أن هذه هي وظيفة السياسي بذاتها. فالعدو إذا هو الآخر، الشر، التهديد، ولا يمكن فصله عن الحياة كما المرض ... وهو يقدم خدمات كثيرة، ويعمل مهدئا، خصوصا عبر المسؤولية التي يمثلها الحقيقية أو المتخيلة) في قلقنا الجماعي، ويمكن لصناعة العدو أن ترسخ الأواصر الجمعية، ويمكنها أن تكون مخرجا بالنسبة إلى سلطة تواجه مصاعب على الصعيد الداخلي. ويغيب العدو في الكتب التعليمية الأساسية للاستراتيجية العسكرية. وتشغل الحرب، التي تقدم منذ البداية بوصفها معطى، التحليلات والأفكار. ويدرس المؤرخون استدلاليا العوامل الموضوعية التي سببت الحروب، والتي لم يكن الناس واعين لها بالضرورة. لكن يجب أيضا العمل على فهم كيف تنشأ تخيلات العدوان وتحديد العناصر الاجتماعية التي يتشكل منها الرأي العام.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت