الصفحة 32 من 310

من يصنع العدو؟ منذ الثورة الفرنسية، لم يعد الملك هو الذي يقرر الحرب أو السلم بمفرده. إذا، يستلزم نشوء القوميات والنزاعات العالمية في القرن العشرين موافقة الرأي العام، لكونه العامل الأساس للتعبئة الحربية. ويبقى تفسير الحروب، باعتباره لعبة تجار السلاح أو مصلحة الرأسمال الكبير، قاصرا عن تغطية مجمل النزاعات الحالية. وتقتصر المهمة الرسمية المؤسسات الفكر الاستراتيجي في البلدان الديمقراطية الكبرى التي يسميها الأنكلوسكسونيون «الاستراتيجيين) (strategists) على إنتاج تحليل إلى جانب خطاب حول السياق الدولي والتهديدات، وإعطاء شكل جديد للقوة العسكرية الضرورية لمواجهة هذه التهديدات، وأخيرا شرعنة استخدام القوة إن لزم الأمر. ولقد أغرقتهم الحقبة التي أتت بعد نهاية الاتحاد السوفياتي في حالة من القلق الشديد، «إن من يحيا على محاربة عدوه، من مصلحته أن يدعه يعيش» ، كما کتب فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche) في كتابه إنساني، كثير الإنسانية (Humain , trop humain) . وفي مواجهة التهديد بالبطالة التقنية، كما الحال بالنسبة إلى المؤسسات كلها، أنتج والاستراتيجيون، خلال التسعينيات مفاهيم وأعداء بدت مصطنعة جدا وظرفية، بعد أن تم تحليلها بالرجوع في الزمن.

يفترض صنع العدو مراحل شتي: أيديولوجيا استراتيجية محددة، خطابا، صناع رأي ندعوهم المحددين (marqueurs) ، وأخيرا آليات صعود نحو العنف. ونلاحظ أن محددي العدوة الذين يجب إضافتهم إلى فئة محددي الهوية العلماء المجتمع، هم متعددون ومختلفون بحسب أنواع النزاعات، وهم ليسوا المحللين الأكثر دقة للوضع، لكنهم الأكثر تأثيرا. لقد كان وزن دير وليد (Deroulede) في فرنسا أهم من جوريس (Jaures) في النزاع العالمي الأول. ولقد أقنع كيبلينغ (Kipling) وبيار لوتي Pierre Loti الرأي العام بثقافة الإمبريالية بشكل واسع، وأنتجت هوليوود كمية كبيرة من أفلام رعاة البقر حول غزو الغرب الأميركي التي عاشها المشاهدون لمدة طويلة باعتبارها ملحمة عظيمة مؤسسة، فيما كان الأمر يتعلق بإبادة ممنهجة لقبائل الهنود الحمر، وفي مكان آخر کنا تكلمنا على بروباغنداء الإيادة العرقية، لكننا في هذه الحال نتكلم هنا على نوع سينمائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت