الصفحة 70 من 310

خطورته، إلى التوضيح، والقلق، والمبالغة في تقدير الخطر، بل حتى إلى البحث عن المسؤوليات. إن سكان البلدان المتقدمة الذين تغلبوا على الجوع والأوبئة الكبيرة، والذين من المحتمل أن يموتوا في حادث سير أكثر منه في عملية إرهابية أو حرب نووية، تهتز مشاعرهم أمام هذه التنبؤات الاستراتيجية المأساوية، وينتظرون من السلطات العامة أن تحميهم من كل ما هو غير متوقع، وتحميهم حتى من القدر. ويرافق هذه الأزمات الطارئة فلق تنبؤي بنهاية العالم ذو تأثير مستمر، ويمكنه أن يغير موضوعه لكن ليس طبيعته. ومن ثم نحتاج إذا إلى مهدئ.

كيف يبني العدو في سياق مخاوف جماعية؟ لا تأتي الإجابة دائما من تحليلات باردة ورصينة، بل غالبا من النتاج الأدبي الإعلامي، أو السينمائي العام. ويمثل القلق سوقا، (لم نخطئ هوليوود في ذلك) ، من اللاإنسانية الخائنة للخطر الأصفر الدكتور فومانشو)، إلى السلطة المطلقة العنكبوتية للخطر الأحمر (أفلام الجاسوسية للحرب الباردة) ، وفي الآونة الأخيرة الوجود الكلي المكار والمهدد والقاسي للخطر الأخضر (الإرهابي الإسلاموي الذي زرع قنبلة في مسلسل 24 ساعة، مثلا) . وكان دور الشرير يؤديه لمدة طويلة في أفلام الغرب الأميركي رجل مكسيكي، هو عموما قاس وغير حليق الذقن، يسيل منه العرق ويضحك بقهقهة. وفي الأفلام الحربية، يتسم الجاسوس الألماني ثم السوفياتي بهدوء بارد مثل الرجال الآليين. وفي أفلام التشويق في التسعينيات، يستعيد دور الشرير الكولومبي مهرب المخدرات المهذب الذي يعني بمظهره تماما، لكنه ناس بشكل لا يصدق، مع ابتسامة مقلقة. أخيرا، ومنذ 2001، نتعرف إلى الشرق الأوسطي الذي لا يردعه شيء من خلال الكنته المضحكة التي ينشر بواسطتها خطابه المتعصب. والضحكة التهكمية التي ترافق الفعل الخبيث هي خصلة لدى الممثلين، إذ إننا نجدها لدى أغلبية الشخصيات الشريرة المذكورة سابقا. وخلال بضعة أشهر، أصبحت القاعدة تهديدا أسطوريا، وتعادل أهميتها، إلى حد ما، أهمية الغزوات الكبرى، وما يسوغ كل الشكوك، ويبرر نشر كل الوسائل البوليسية والعسكرية الغربية. فبينما لا تشكل المجموعة الإرهابية، في الحقيقة، تهديدا استراتيجيا، فإن ردة الفعل السياسية تشبه كثيرا، كما قد يقول المحللون النفسيون، نبوءة تتحقق ذاتيا! يولد الخوف من عنف متضخم عنفا أكبر، وهو يبرر العنف في المقابل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت