وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تعليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور، فإن الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة کارل مارتل إلى السماكين.
وتذهب الرواية النصرانية ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين، في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق، فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة، بلغوا ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف، في حين أنه لم يقتل من الفرنج سوى ألف وخمسمائة.
ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها السوق أوبو إلى البابا جريجورى الثاني يصف فيها حوادث الموقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيفها.
بيد أنها ليست سوى محض خرافة، فإن الجيش الإسلامي كله لم يبلغ حين دخوله إلى فرنسا على أقصى تقدير أكثر من مائة ألف، والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة. ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة بقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو، ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم.
ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية.
ولكن مثل هذه الخسائر لا يمكن أن تعلو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة ألف. وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنچ وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة، وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية