من أدق ظروفها، فقد كانت مصائرها تهتز في يد القدر، وكانت روح الخلاف تمزقها، والثورات تضطرم في سائر أرجائها، وأميرها عبد الرحمن الأموي، مشغول بقمع الثورة هنا وهناك
هذا بينما كانت مملكة الفرنج بالعكس قد اجتمعت كلمتها وتوطدت دعائمها، وكان شارلمان منذ ولى العرش سنة (78 م) يشغل عن التدخل في اسبانيا المسلمة بمحاربة القبائل السكسونية فيما وراء الرين، ليرد خطرها عن مملكته، وليخضعها إلى سلطانه.
وكانت غزوات الأسرة القارية، تتخذ فيما وراء الرين منذ عهد کارل مارتل، لونا دينية عميقة، كالذي تتخذه حروب الفرنج مع العرب في غاليس فكانت بذلك تتخذ مظهر حماية النصرانية من خطر الوثنية المتدفق من المشرق، على يد القبائل السكسونية، وكانت حروبهم في غاليس تتخذ مظهر حماية النصرانية من وثبات الإسلام المتدفق من الجنوب
فلما ظفر الفرنج برد تيار الإسلام إلى ما وراء جبال البرنيه، واستولوا على جميع ثغوره ومعاقله في أرض فرنسا، بقيت الأطماع والبواعث السياسية تحفز الفرنج إلى مقاعة الإسلام ومطاردته، فيما وراء البرنيه، وانتزاع اسبانيا أو على الأقل ولاياتها الشمالية من قبضته، لتكون ممثلا لدرء فورانه وثباته من الجنوب.
وتشير الروايات اللاتينية إلى غايات السياسة الفرنجية من التدخل في شئون اسبانيا المسلمة، وتحدثنا عن هذا المزج بين الغابات الدينية والدنيوية. فأما عن الناحية السياسية، فإن إجتهارت مورخ شارلمان يقول لنا إن الحملة التي نظمها الملك الفرنجي إلى اسبانيا، كان يقصد بها مهاجمة قرطبة ذاتها. وإنه ليبدو من ضخامة الجيش الذي حشده شارلمان، أن الأمر لم يكن متعلقا