الأفق الواسع، وممن يقدرون تفوق المسلمين الحضاري، ويؤثرون الانتفاع بعلومهم ومعارفهم، ومن ثم فقد استطاعت بقية الجالية الإسلامية في صقلية، أن تعيش في ظلهم مدى حين أمنة متمتعة بشعائرها ونشاطها العلمي والمهني.
وفي ظل هذا التسامح المحمود، دعا الدوق روجر الثاني ولد فاتح الجزيرة العمل في بلاطه رهطا من العلماء المسلمين، من الصقليين المحليين، ومن إفريقية والأندلس.
وكان في مقدمة هولاء العلامة الجغرافي الكبير أبو عبد الله محمد بن عبد الله الإدريسي السبتي، المشهور بالشريف الإدريسي، دعاه السوق، وأغدق عليه رعايته، وعهد إليه بأن يعمل له كرة ارضية من الفضة الخالصة ترسم عليها الأقاليم السبعة التي هي اساس التقسيم الجغرافي القديم، فقام العلامة المسلم بمهمته على أكمل وجه، وأثابه الدوق عنها أعظم إثابة.
ثم عهد الدوق بعد ذلك إلى الإدريسي، بوضع موسوعة جغرافية توصف فيها أحوال بلاد الأرض، وصورها ويحارها وجبالها، وخواصها، وذكر احوال أهلها، فوضع الإدريسي موسوعته الجغرافية الشهيرة التي خلدت اسمه وهي نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، وانتهى من كتابتها في أوائل سنة 1104 م قبيل وفاة السوق بقليل،
ولما كان هذا المؤلف العظيم قد وضع بإشارة الدوق ورعايته، فقد أهدى إليه في مقدمته، وسمي أيضأ بكتاب رجار، أو الكتاب الرجاري، تنويها من مؤلفه المسلم بفضل هذا الأمير العالم المستنير. ويعتبرونزهة المشتاق، أعظم مؤلف جغرافي في العصور الوسطى، وهو يشغل عدة مجلدات كبيرة، وهو يمثل بظروف تاليفه ثمرة من أجل ثمار التعاون المستنير بين الشق والغرب،
وغدت مقلية منذ افتتحها المسلمون قاعدة لطائفة كبيرة من الحملات