الصفحة 188 من 278

هذه لمحة في أخبار البحارة المسلمين، ومنها نرى أن السيادة البحرية في بحر الريم كانت للمسلمين مدى أحقاب طويلة، وأن سير تلك الفتوحات والحملات البحرية، التي انتهت بفتح إقريطش وصقلية وثغور ايطاليا الجنوبية، واستطاعت أن تجوس خلال البحر حتى قسطنطينية عاصمة الدولة الشرقية وحتي بومة عاصمة النصرانية، وجنوه أقصى الثغور الايطالية، ليست تقل في الأهمية والجرأة عن غزوات البحارة الإسبان والإنجليز في القرن السادس عشر، في المياه الأمريكية

ولست أعمال بحارة كابي حفص عمر البلوطي وليون الطرابلسي، أقل رنينا وروعة من أعمال أمراء البحر المحدثين مثل أندريا دوريا، وجون هوكس، وفرنسيس دريك، وكورتيز، وپيزارو وغيرهم، ممن تملا سيرهم وأعمالهم صفا من أبدع وأمتع صحف التاريخ الحديث.

وفي سير هذه الحملات والغزوات الإسلامية نستشف اضمحلال الدولة البيزنطية، وضعف حكومة قسطنطينية، وفساد بلاط يؤثر طغيانه تبديد أموال الدولة في مظاهر الترف وتشييد القصور والكنائس، على تحصين أطراف الدولة وإعداد جيوشها وأساطيلها. بيد أنا نستطيع أن نلاحظ أيضا أن ميول الشعوب التي تحكمها الدولة كانت عاملا هاما في تسهيل غزوات المسلمين، فإن هذه الشعوب لم تر في حكم المسلمين من الغضاضة ما كانت تقدره حكومة قسطنطينية، التي بلغ عسفها وجورها مبلغا لم تبلغه حكومة إسلامية في هذا العصر، ولنا دليل في فتح صقلية التي انضم أهلها إلى المسلمين في محاربة البيزنطيين.

وكانت هذه العملات والغزوات تقترن عادة بضروب رائعة من العبث والسقك من الجانبين المتحاربين، وكانت تغذي أسواق المشرق كلها وقصوره بأسراب السراري والرقيق. بيد أنا نلاحظ أن خوارج البحر المسلمين كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت