الحكومة الإسلامية، وينظر إليه المسلمون بعين غير تلك التي ينظرون بها إلى أبناء دينهم، وكانت هذه الأحكام الخاصة بغير المسلمين تطبق في العصور الأولى في رفق ولين، وكان حكام النواحي والسلطات المحلية أكثر تسامحا ورفقا في تطبيقها من السلطة المركزية
وكثيرا ما عقد الذميون مع حكام النواحي معاهدات محلية للتخلص من هذه الأغلال والفوارق الإجتماعية المهينة، ومع ذلك فقد كان مركز الأميين من النصارى واليهود، في الدول الإسلامية، دائمة منحطة من الوجهة الاجتماعية وهو يشبه من وجوه كثيرة مركز اليهود في الأمم الأوروبية في العصور الوسطي، بل في عصرنا هذا في بعض الأمم التي تضطرم أحيانا بنزعة الخصومة السامية.
وكانت وطأة هذه التفرقة تشتد بالذميين، ولا سيما النصارى في كثير من المأزق والأزمات السياسية، وقد تنقلب أحيانا إلى مطاردة عنيفة تسام فيها الكنيسة، والنصارى ألوانا من القمع والاضطهاد والذلة. وكان الذميون فوق ذلك موضع التوجس والريب من السلطات الحاكمة، وقلما كانت الحكومات الإسلامية الأولى تجيزهم إلى وظائف الدولة، اللهم إلا أعمال المحاسبة والجباية حيث كانت لهم فيها براعة خاصة، أو ترفيهم إلى مراتب النفوذ والثقة، أو تعهد إليهم بالمهام الخطيرة، أو تأتمنهم على مصلحة ذات شأن.
فليس غريبة إذا أن يتوق الذميون في تلك العصور، إلى التحرر من أعباء هذا النظام ووصماته، وأن يؤثر الأذكياء والطامعون منهم، أغتنام كل ما ينعم به المسلم من المزايا الاجتماعية والاقتصادية باعتناق الإسلام، وأن يشقوا لأنفسهم إلى الحياة سبلا طيبة باهرة بالإندماج في المجتمع الإسلامي، وأن يتمتعوا خلال ذلك كله بنعمة الحرية الفكرية، التي كانت من أسمى ظواهر الحياة الإسلامية