ولم يكن دخول الدم في الإسلام يفضى دائما لأول وهلة، إلى تمتعه بكل ما يتمتع به المسلم من الحقوق والمزايا. بيد أن اعتناق الإسلام كان أول خطوة في تحرره من الأعباء المرهقة والتقاليد المزرية والعرف المؤذى. وإذا كان الجيل الأول من الذميين الداخلين في الإسلام يلقى صعابا في سبيل الإندماج التام في المجتمع الإسلامي، أو القوز العاجل بكل ما ينعم به المسلم المؤثل من صنوف التجلة والإيثار، أو اغتنام عطف السلطات الحاكمة وثقتها، فقد كان الزمن وحده كفيلا بمحو هذه التقاليد وإزالة هذه التفرقة، وإدماج أبناء الوطن الواحد في مجتمع واحد
وكان تعاقب الأجيال والذرية وحده سبيلا إلى النسيان، ورفع أبناء الذين أسلموا إلى صف المسلمين القدماء، هذا إلى أن عقبهم كانوا ينتحلون الأنساب العربية، فيرجعون ألقابهم وأنسابهم إلى أصل من الأصول العربية المعروفة، لكي يقضوا بذلك على أخر الآثار والذكريات التي قد تشرب مركزهم الاجتماعي، بعد أن دخلوا في حظيرة الإسلام، وغدوا مسلمين خلص أوفياء
وقد كان فوز الإسلام في الشام ومصر، أسرع وأيسر منه في أي بلد أخر من البلاد المفتوحة، وكانت النصرانية قد سادت مصر والشام لعهد الفتح الإسلامي، ولكنها فرضت عليهما بالنار والسيف، وسرى الخلاف غير بعيد إلى أصولها ومبادئها، فاضطريت أسسها رهنت عقائدها، وتعددت الطوائف والمذاهب، واضطرمت بينها الخصومات، واشتد العسف والإرهاق، فسادت الفوضى السياسية والاجتماعية
ولم يكن في أصول الإسلام ما يحفظ القلوب المؤمنة، وكانت خصومته العقيدة النصرانية رفيقة لينة، وكان فوز العرب في اجتياح العالم القديم بسرعة مدهشة أية قوته ورجحان دعوته، كما أن ما قارنت به سياسة الفاتحين من ضروب العدالة والرفق والعفة والزهد، كان حجة ناهضة على جور الحكومات النصرانية في تلك العصور.