رأس البالغين، بيد أنها لم تكن محددة ولا مضبوطة بنسب وقيود معينة، بل كانت تجبي طبقا لظروف الأشخاص والزمان من يسر وضيق.
فيروي لنا ابن عبد الحكم مثلا، أن عمر بن الخطاب كان بأخذ من صالحه من المعاهدين ما سمي على نفسه، لا بضع من ذلك شيئا ولا يزيد عليه، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا يؤديه نظر عمر في أمره، فإذا احتاجوا خفف عنهم، وان استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم
ثم يروى أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال له أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فيصير لها، فقال عمرو وهو يشير إلى رکن کنيسة لو أعطيتني من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك، إنما أنتم خزانة ننا إن کثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خلقنا عنكم. ولم تكن الجزية تقف عند القدر المفروض من المال، بل كانت تتعدى ذلك إلى جباية مقادير أخرى من الحنطة والزيت والعسل والثياب، ويلحق بذلك إضافة الأمين للمسلمين أياما معينة
على أن توزيع هذه المغارم وطرق جبايتها، كانت تقرن في معظم الأحوال بالاعتدال والرفق، فقد رأيت أنها لم تكن تفرض على الصبية والنساء والشيوخ وكان يراعي في التقدير والتحصيل أن يخرج الذميون قبل كل شيء من غلة أرضهم ما يكفي لتعهد كنائسهم ومرافقهم ومونهم، وكان الرفق يتعدى إلى الإمهال في أداء الخراج، فقد حدث مثلا أن عمرة تأخر في تقديم خراج مصر في الميعاد المحدد، فكتب إليه غمر يعزره ويؤنبه ويقول: «أما بعد، فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلى بنيات الطرق. وقد علمت أني لست ارضي منك إلا بالحق البين، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فيء المسلمين» .