إن في ذلك ما يفسر حقيقة تاريخية مدهشة ينكرها ويشوهها معظم كتاب الغرب الذين يتحدثون عن الإسلام، ووسائل نشره وعوامل رسوخه، وفيه ما يوضح لنا كيف استطاعت حكومة الخلفاء أن تكون في وقت واحد حكومة مطلقة (أوتوقراطية تمعن في الاستئثار بالسلطة) ، وأداة لينة رفيقة تغلب النزعات الديمقراطية والحرة
هذا كله فيما يتعلق بانتشار الإسلام في عصوره الأولى. فلتر الآن كيف انتشر الإسلام في العصور الوسطى، والعصر الحديث، في سائر أنحاء العالم القديم، وفي أقاصي أركانه
لقد امتدت الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، منذ أواخر القرن الأول للهجرة من السند شرقا حتى المغرب وشواطئ المحيط الأطلنطى غربة، ومن جبال البرنيه وأواسط آسيا شمالا، حتى الصحراء الإفريقية الكبرى، وبحر العرب جنوبا، ولبثت زهاء أربعة قرون تحتفظ بهذه الحدود المترامية، وذلك بالرغم مما كان يمزقها في الداخل أحيانا من تطورات وانقلابات مختلفة. >
ولم يكن الفتح هو الوسيلة الوحيدة لانتشار الإسلام. ذلك أن الإسلام قد انتشر دون غزو ولون سيف، في كثير من الأنحاء القاصية التي لم يصل إليها الفاتحون المسلمون قط، ونظرة عابرة إلى خريطة العالم الإسلامي، تؤيد هذه الحقيقة. ففي الصين، وفي منغوليا، ومنشوريا، والهند الصينية، وفي جزائر الهند الشرقية (اندونيسيا) وفي بلاد الملايو، وفي جزائر الفلبين، وفي بورنيو: في سائر هذه البقاع النائية من الشرق الأقصى، تقوم مجتمعات إسلامية قوية بيبلغ تعدادها أكثر من مائة مليون من الأنفس.
وفي القسم الغربي من العالم القديم في شرقي إفريقية، وفي مدغشقر، وزنجبار وموزنبيق، ودار السلام، وفي روديسيا، وفي بلاد النيجر، وسيراليون،