الصفحة 64 من 278

فعجل ليون بانتهاز الفرصة ودفع إلى خارج الميناء بقسم من سفنه مزود بقاذفات النار، فانقض على سفن المسلمين وأوقع فيها الاضطراب والخل، وأحرق بعضها وأسر البعض الآخر، وجنح كثير منها إلى الشاطئ

وبدلت الحال عندئذ، فحل الضيق والقحط بمعسكر المسلمين، بينما تنفس المحصورين الصعداء، ولكن مسلمة استمر في حصار المدينة برأ، وألح في ذلك حتى مزقت سراياه، وعمت المجاعة، والقحط، واستنفدت جميع المؤن والدواب.

ولقي الجند أروع الشدائد والأموال وأكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والورق وكل شيء غير التراب». ثم وصلت أوامر الخليفة الجديد (عمر بن عبد العزيز) برفع الحصار والعودة، فقرر مسلمة الإنسحاب، ونقل بقية جيشه إلى الشاطئ الأسيوى على بقية أسطوله، ورفع العرب حصارهم الثاني عن قسطنطينية في 15 أغسطس سنة 718 م (ثاني عشر المحرم سنة مائة) بعد أن حطمت أمام أسوارها قوة من أضخم وأعظم القوى التي استطاع الإسلام أن يجردها على النصرانية، وارتدت بقية الجيش جنوبية إلى دمشق. وأما بقية الأسطول فداهمتها العواصف الثائرة في بحر الأرخبيل وفرقتها، وانقض اليونانيون في الجزائر على وحداتها فأغرقوا كثيرة منها، حتى قيل بأنه لم يعد من أسطول مسلمة الضخم إلى ثغور الشام سوي سفن قلائل.

وهكذا ارتد الإسلام أما أسوار قسطنطينية في حملته العظيمتين، وأخفقت الخلافة في مشروعها الضخم، وقضي على آمالها في اقتحام الغرب من طريق المشرق

ويرجع هذا الإخفاق إلى اسباب عدة: منها حداثة عهد العرب بالمعارك البحرية، وقسوة الإقليم إلى درجة لم يعتدها جند الجنوب الذين نشأوا في أقاليم الشام ومصر وافريقية، ويرجع بالأخص إلى براعة البيزنطيين في أساليب الدفاع عن الحصون والمدن المحصورة، وإلى حذقهم في استعمال النار اليونانية. وكان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت