الصفحة 66 من 278

فن الحرب لا يزال في الدولة الشرقية محتفظة بتفوقه رغم ذلك الإنحلال الذي سرى إلى جميع نواحي حياتها الاجتماعية والاقتصادية، هذا إلى منعة أسوار قسطنطينية بوفرة وسائل الدفاع والآلات التي زودت بها لرد الغزاة.

كان هذا الإخفاق حاسمة في تاريخ الإسلام، عميق الأثر في مصايره، وكان حصار قسطنطينية أعظم مجهود بذله الإسلام ليحمل لواءه إلى أمم الغرب في وقت كان يسودها في التفرق والضعف، وتنازع الوثنية والنصرانية سيادتها الروحية.

ولم يكن توغل العرب في سهول فرنسا حتى ضفاف اللوار بعد ذلك بقليل سنة 114 - 732 م) مقرونة بنفس الأمية والخطورة، ولا بنفس العزم والإصرار التي اقترنت بها حملات قسطنينية، وإن كان هذا التوغل قد تم تنفيذا لنفس السياسة، وتحقيقا لنفس الغاية التي قصدت الخلافة إلى تحقيقها.

ولم تحاول الخلافة بعد ذلك أن تعمل جادة لافتتاح قسطنطينية، وإن كانت جيوشها قد اقتربت بعد ذلك غير مرة من عاصمة الدولة الشرقية ووقعت أشهر هذه الغزوات أيام الخليفة المهدي حيث سار ولده هارون الرشيد في صيف سنة 190 د (783 م) غازية لأراضي الدولة البيزنطية، واخترق هضاب الأناضول حتى أشرف على ضفاف البسفور الأسيوية، وعسكر فوق تلال خريسبوليس اسكوتاري) في مواجهة قسطنطينية.

وكان على عرش القياصرة يومئذ طفل هو قسطنطين السادس، ومقاليد الحكم بيد أمه الإمبراطورة إيريني (ريني) ، وهزم المسلمون البيزنطيين هزيمة شديدة، واضطرت إيريني أن تعقد الصلح بأن تعهد بدفع جزية سنوية. ولم يحاول المسلمون في هذه المرة أن يضربوا الحصار حول قسطنطينية بالرغم من وقوفهم تحت أسواها، مما يدل على أن الخلافة لم تعد عندئذ تداعب مشروعها القديم في افتتاحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت