وقامت دولة الخلافة قوية راسخة الدعائم فيما بين السند شرقا والمحيط غربة، وامتدت شمالا حتى قلب أسيا الصغرى. وكانت سياسة الفتح الإسلامي منذ توطدت دولة الإسلام، ترمي إلى غاية أبعد من ضم الأقطار ويسطة السلطان والملك، فقد كان الإسلام يواجه في الأقطار التي افتتحها من العالم القديم، أنظمة راسخة مدنية واجتماعية تقوم على أصول وثنية أو نصرانية سادت أقطار الدورة الرومانية منذ القرن الرابع >
فكان على الخلافة أن تهدم هذا الصرح القديم، وأن تقيم فوق أنقاضه في الأمم المفتوحة نظما حديثة، تستمد روحها من الإسلام، وأن تذلل النصرانية الصولة الإسلام، سواء بنشر الإسلام بين الشعوب المفتوحة، أو باخضاعها من الوجهة المدنية والاجتماعية لنفوذ الإسلام وسلطانه.
وكان هذا الصراع بين الإسلام والنصرانية قصير الأمد في الشام ومصر وافريقية، فلم يمض نصف قرن حتى غمر الإسلام هذه الأمم بسيادته ونفوذه. وقامت فيها مجتمعات إسلامية قوية شاملة، وغاضت الأنظمة والأديان القديمة. ثم دفعت الخلافة فتوجها إلى أقاصي آسيا الصغرى من المشرق، وجازت إلى اسبانيا من المغرب
فأما في المشرق فقد حاول الإسلام أن ينفذ إلى الغرب من طريق قسطنطينية، وبعثت الخلاقة جيوشها وأساطيلها الزاخرة إلى عاصمة الدولة الشرقية مرارة، وحاصرتها مرتين كما قدمنا.
وكانت قوي الخلافة في كل مرة تبدى في محاصرة قسطنطينية غاية الإصرار والعزم والجلد، ولكنها فشلت في المرتين، وارتدت عن أسوار قسطنينية منهوكة خائرة، وأخفق مشروع الخلافة في فتح الغرب من تلك الناحية، ولقي الإسلام هزيمته الحاسمة في المشرق أمام أسوار بيزنطية