بل إنَّ الناقلَ لهذا القولِ - وهو القرافي في الذخيرة - قدَّم عليه القولَ بالفرضيَّة، فدلَّ أنه لم يَرتَضِه؛ لأنَّه قال في مقدمته:"وأُقدِّم المشهورَ على غيره من الأقوال؛ ليستدلَّ الفقيه بتقديمه على شهوريَّته"؛ اهـ؛"الذخيرة" (1/ 37) ، ويمكن أنْ يُحتَسَب هذا وجهًا سابعًا.
-الدليل على الفرضيَّة:
الدليل على ذلك هو أمرُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصحابةَ أنْ يُصلُّوا على الأموات، والأمر كما هو مقرَّر عند أهل الأصول يفيدُ الوجوب في الأصل.
ومن ذلك:
1 -أمره - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصحابةَ - رضي الله عنهم - أن يُصلُّوا على النجاشي لَمَّا مات، ولَم يصلِّ عليه أحدٌ في بلدِه، كما سيأتي تحقيق ذلك فيما بعدُ، فأمرَهم بالصلاة عليه وأمَّهم في الصلاة عليه، والنجاشي في الحبشة؛ كما في الصحيحين من حديث جابر - رضي الله عنه [1] .
2 -وأمرُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصحابةَ - رضي الله عنهم - أنْ يصلُّوا على من مات وعليه دَيْن، ولم يُوفَّ عنه، حال امتناعه عن الصلاة عليه؛ كما في"صحيح مسلم"عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يُؤتَى بالرجل الميِّت عليه الدَّين، فيسأل: (( هل ترَك لدَينه من قضاءٍ؟ ) )، فإن حُدِّث أنَّه ترَك وفاءً صلَّى عليه، وإلاَّ، قال: (( صلُّوا على صاحبكم ... ) )؛ الحديث [2] .
3 -وفي معناه ما في البخاري عن سلَمة بن الأكْوع - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُتِي بجنازة ليُصلِّي عليها، فقال: (( هل عليه دَيْن؟ ) )، قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثم أُتِي بجنازة أخرى، فقال: (( هل عليه من دَينٍ؟ ) )، فقالوا: نعم، قال: (( صلُّوا على صاحبِكم ) )؛ الحديث [3] .
(1) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: الصفوف على الجنازة، برقْم (1320) ، الفتح (3/ 238) ، ومسلم في كتاب الجنائز، باب: التكبير أربع برقْم (953) ، شرح النووي (3/ 22) .
(2) في كتاب الفرائض، باب آخر آية أُنزَلت، ومَن ترَك مالًا فلوَرَثته، برقْم (1619) ، شرح النووي (4/ 233) .
(3) في كتاب الكفاية، باب: من تكفَّل عن ميِّت دَينًا، فليس له أن يَرجِع، برقْم (2295) ، الفتح (4/ 598) .