لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس. وأما الثاني: وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحرًا فجهل أيضًا، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه. فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالًا بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله. فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال على ما ذكرناه، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين. [1]
قوله تعالى {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَاذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} .
-جملة مستأنفة يجوز أن تكون عطفًا على جملة {اقترب للناس حسابهم} إلى آخرها، لأن كلتا الجملتين مسوقة لذكر أحوال تلقي المشركين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والبهتان والتآمر على رفضها. فالذين ظلموا هم المراد بالناس كما تقدم.
-وواو الجماعة عائد إلى ما عاد إليه ضمائر الغيبة الراجعة إلى {لِلنَّاسِ} وليست جملة {وأَسَرُّوا النَّجْوَى} عطفًا على جملة {اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} لأن مضمونها ليس في معنى التقييد لِما يأتيهم من ذكر [2] .
والاستفهام في قوله {هل هذا إلا بشر مثلكم} إنكاري [بمعنى التعجب] [3] يقتضي أنهم خاطبوا من قارب أن يصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أي فكيف تؤمنون بنبوءته وهو أحد منكم.
(1) المصدر السابق.
(2) الحرير والتنوير (17/ 12) .
(3) قاله أبو حيان في تفسيره (6/ 276) .