أحلام، وإن ادعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة قلنا إنه افتراه، وإن ادعينا إنه كلام فصيح قلنا إنه من جنس فصاحة سائر الشعراء، وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزًا، ولما فرغوا من تعديد هذه الاحتمالات قالوا: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَاما بَلِ} فالمراد أنهم طلبوا آية جلية لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات كالآيات المنقولة عن موسى وعيسى عليهما السلام، ثم إن الله تعالى بدأ بالجواب عن هذا السؤال الأخير بقوله: {مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} والمعنى أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات وعهدوا أنهم يؤمنون عندها فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثًا. قال الحسن رحمه الله تعالى: إنهم لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه من الآيات فلا بد من أن ينزل به عذاب الاستئصال وقد مضى حكمه في أمة محمد صلى الله عليه وسلّم خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم.
اعلم أنه تعالى أجاب عن سؤالهم الأول وهو قولهم: {مَا هَاذَآ إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} (المؤمنون: 33) بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُّوحِى إِلَيْهِمْ} فبين أن هذه عادة الله تعالى في الرسل من قبل محمد صلى الله عليه وسلّم ولم يمنع ذلك من كونهم رسلًا للآيات التي ظهرت عليهم فإذا صح ذلك فيهم فقد ظهر على محمد مثل آياتهم فلا مقال عليه في كونه بشرًا فأما قوله تعالى: {فَسْاَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} فالمعنى أنه تعالى أمرهم أن يسألوا أهل الذكر وهم أهل الكتاب حتى يعلموهم أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشرًا ولم يكونوا ملائكة، وإنما أحالهم على هؤلاء لأنهم كانوا يتابعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} (آل عمران: 186) فإن قيل إذا لم يوثق باليهود والنصارى، فكيف يجوز أن يأمرهم بأن يسألوهم عن الرسل قلنا: إذا تواتر خبرهم وبلغ حد الضرورة جاز ذلك، كما قد يعمل بخبر الكفار إذا تواتر، مثل ما يعمل بخبر المؤمنين. ومن الناس من قال: المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلّم. .". [1] "
(1) تفسير الفخر الرازي (22/ 123 - 124) .